المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذيك السنة يوم تزوجتي مسيار الشيخ بريك السعد


شموع من ذهب
10-26-2010, 12:49 AM
كاتبة : شادية عسكر


ملاحظة : أيها الأعزاء أي أسم يرد في هذه السلسلة هو اسم وهمي ..


مقدمة :


يجهل الناس في هاذي الدنيا أن الطقاقة لها قلب ومشاعر

وافكار وروئ أبعد من الطق والطار والزيران

ووالله الذي رفع سبع سماوات ونزل سبع لو فتحت شادية العسكر قلبها وعقلها لقرأتم قصة التحولات الاجتماعية والتغيرات السنتوجرافية وتاريخ الاستشراق وكتاب النفط ومسودة الصحوة وخلاخيل الحدوة وشهوة المسيار

وما الله به عليم وانتم سادرون

من خوية ليبرالية لسواق الشيوخ فرج الله

إلى زوجة مسيار لشيخ الشيوخ بريك السعد

( 1 )

فرج الله كان فتى أسمر فيه طلاوة وتكسوه حلاوة ويحب سماع فريد الاطرش ومشاهدة أفلام حسين صدقي

ملازمته لعمته الخمسينية وهو يسوق بها السيارة في شوارع الرياض او يسافر معها لمكة والطائف عودته على حياة الارستقراطية وآدابها وعاداتها وبذخها

عشت معه في الرياض القديمة صولات وجولات

ماكان يبخل علي بشيء

وأنا يا كثر ما غنيت له أغنيتي المفضلة وانا اتمايل متعمدة أن أشعل النار في قلبه المشتعل

يا يا دلع يا دلع دلع

وبالحلوين تطلع ..

روحي حبت روحك وقلبي فيك تولع ..

ويا كثر ما رقصت له ومنحته الرحيق المختوم بلا حساب ولا محاسبة

كان زمااان بسيط وجميل

أما بريك السعد فهو رجل لايعرف طلاوة ولاتكسوه حلاوه عرفته عندما انقلب الزمان وصارت الرياض غير الرياض .

كان الفرق بين فرج الله وبريك السعد كبيرا

لايوجد بينهما سوى قاسم مشترك واحد هو الولاء للشيوخ بطريقة أو بأخرى.

كنت لفرج الله حبيبة وحدانية لاشريك لي ولم يكن لي كفؤا أحد ..

وكنت لبريك زوجة مسيار ورقم عشوائي في سلسلة حريمه

وبين الفتى الطائر والرجل المسمر إلى الأرض تبدلت اشياء عديدة

لكن بقي شيء واحد لايتغير

هو روح الطقاقة الخفيفة المتمردة بفطرتها التي تقاوم أي حزن أو ضياع بمزيد من الطق والطق .. والغناء والطق

( 2 )

أركبني فرج الله سيارته الخاصة الفولكس واجن ذات اللون الارجواني الفاقع التي اشتراها قبل أشهر معدودة بعد 12 سنة من الخدمة المتواصل ليلها بنهارها لعمته وبناتها وعبداتها

وبدأ يمخر بي عباب شوارع الرياض في طريقنا للمربع.

كان فرج يدخن طول الطريق ليغالب قلقه وهو يوصيني بمايجب أن أفعله وأقوله لعمته..

العنود ستقيم حفل عرس لاحدى بناتها وطلبت أن تراني وتتأكد من خبرتي شخصيا فلم تكتفي بالمديح الكثير الذي سمعته من فتى عمري الطائر

نجحت في الاختبار ولم أخرج منها إلا وراسي دايخ من أجواء القصر الباذخ بحدائقه ونوافيره ومن كثرة التعليمات والتوجيهات الموجهة لي وعن طريقي لباقي بنات الفرقة.

نبي أغاني سميرة توفيق وهيام يونس

احفظوا اغنية محمد عبدو الجديدة ماهقيت إن البراقع يفتنني

البسوا كلكم جرسيه أحمر مو كل وحده تلبس شكل

وتبودروا .. مانبي ديرمان وما ديرمان

من سبع ونص تكونون جاهزين بطيرانكم

توالت التعليمات وانا ارد بعبارة وحده حفظني اياها فرج في السيارة:

ان شاء الله عمتي .. تامرين يا عمتي

في طريق العودة كان فرج يهنئي بدخولي لمملكة السعد والهناء

ويعدني بأن الخير من الآن سيغطيني حتى عظام جدي الخامس عشر

أوقف السيارة أمام بيتنا في حي السبالة .. وإذا بالشايب راجع من صلاة العصر يتلمس الطريق بعصاه

خطف فرج مني قبلة سريعة طبعها فوق الشيلة الشيفون الشفافة وهو يكتم صوته وأنفاسه عن أبي ثم نزل من السيارة:

هاااه يا عم تراي رجعت الامانة كاملة مانقص منها يد ولا رجل

ضحك أبي ببراءة ذاك الزمان حتى بانت لثته التي تساقطت كل أسنانها

عندما دخلت بيتنا شعرت بالفارق يخنقني ..

الفاصل كان مئة سنة .. بل ألف سنة .. بين جنة المربع وطين السبالة

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:50 AM
( 3 )

كادت خيالات القصر أن تطيّر عقلي
تمددت على فراشي وأنا استرجع مادار في الساعة الماضية
حبيبي فرج الله يحب لي الخير ويريدني أن أصبح أشهر طقاقة في الرياض
يريدني أن أحرق المراحل وأقفز مرة واحدة من الطبقة المسحوقة إلى طبقة النبلاء
يريدني أن أصير نجمة متألقة ..
طقاقة برجوازية تملك المال والنفوذ في عالم الرياض السفلي المليء بالضعفاء والخدم والخويا حيث يبدأ التاريخ من الطار وينتهي بالزار

وهذا لايمكن أن يحدث إذا كنت خطواتي لاتترك السبالة إلا لها أو حولها
كان يجب أن تمتد خطوتي لخارج السبالة بشوارعها الضيقة ودكاكينها الصغيرة وحفرها وغبارها وأوحالها

كان يجب أن تمتد خطوتي لذلك العالم الناعم والدنيا الرغيدة .

إلى المربع حيث القصور والرياش والنوافير والموائد والسيارات والوجوه النظيفة جدا واللهجة النجدية المتعالية

اجتهدت خلال الأسبوعين المتبقين على الزواج في التحضير وتدريب البنات.
عملنا (بروفة) تلو الأخرى لأغاني هيام وسميرة توفيق ومحمد عبدو
كنت أدرب البنات بتوجيات فرج كيف يمشين ويجلسن ويلقين السلام ويضحكن حيث كل شيء محسوب بدقة متناهية في وسط عالم لا ننتمي له ولا ينتمي لنا

اشتريت طاقة قماش جيرسيه من سويقه وشيال جديده وجزم ذات كعوب دقيقة تشبه الدبابيس
عملت كل شيء في طاقتي حتى أنجح في الليلة الموعودة وينتشر صيتي في الرياض كلها خاصة بين نساء القصور

وحين لم يتبق على الحفل سوى ليلتين مر بي فرج وطرق الباب ثلاث طرقات كعادته.
فتحت وأنا أسوي شيلتي على رأسي.
كنت سعيدة ومستثارة جدا لقرب حلول الموعد. ولكن صدمني وجهه المتجهم وعينيه المنكسرتين.
قال : خلاص يا شادية يا عيوني ماعد فيه عرس !

كدت أقع على الارض من هول الصدمة.
كيف لم يعد هناك عرس. لقد اعتذرت عن ثلاثة أعراس وضحيت بما كنت سأجنيه منها بسبب انشغالي بالتحضير لعرس بنت الشيوخ.

قلت بيأس:
اش بلاهم ..
رد وهو يعطيني ظهره :
بلاهم اللي بلاهم ..عمتي هونت عنك، جابت فرقة مصرية أو مدري حجازية معهم رقاصات ..
شعرت وكأن جردلا من الماء البارد سكب على رأسي حتى أفقدني الكلام

( 4 )

انكسر قلبي وتهشم

وتبخرت أحلامي مثل سحاب الصيف

لكن الذي أوجعني أكثر من أي شيء آخر كان شعوري بالمهانة والضعة

شعرت بأنني مجروحة في عمق كرامتي

ضج الغضب المكتوم في داخلي ولم أتمكن من النوم في تلك الليلة

في الصباح الباكر كانت الفكرة قد اختمرت تماما في ذهني

خرجت من البيت وأخذت سيارة تاكسي صفراء مهترئة محتملة فضول سائقها البدوي ونظراته المزعجة

أخذني للمربع

لم أكن أعرف طريق القصر بشكل دقيق فاستغرقنا ساعة وأنا أخرجه من شارع لآخر وهو يتهكم علي:

تبين قصور الشيوخ ..!

وما أن رأيت النخيل المتطاول من خلف الأسوار العالية وذاك الشجر الباسق حتى عرفت بأنني بلغت مرادي.

دخلت من البوابة الكبيرة المشرعة بدون أن يستوقفني أحد.

قطعت المدخل الطويل جدا ثم فجأة وجدت نفسي أمام رجل أسود طويل سألني بخشونة عن من أكون وكيف دخلت وماذا أفعل في حديقة القصر في هذه الساعة المبكرة من الصباح.

قلت له باستعطاف: أنا شادية من طرف فرج الله. قل كذا لعمتك العنود وهي تعرفني.

ما ان انتهيت من جملتي حتى قهقه الرجل الأسود بصوت عال جدا واهتزت كرشه مع أكتافه من شده انفعاله.

عندما تمالك نفسه قال مستهزئا:

لا يا شيخة.. أقول لعمتي وهي تعرف .. أقول : اذلفي هالساعة لا والله تكرهين ساعة جيتي فيها للدنيا.

صحت فيه :

وإن قلت لك لا .. منيب ذالفة .

كنت في الواقع خائفة ومرعوبة من هذا الشبح الأسود الطويل ولكن أحاول أن أحتمي بجدار هش وضعيف وهو أني فتاة وبالتالي لن يجرؤ على لمسي أو حملي وقذفي في الشارع.

في هذه اللحظة بالذات انفتح باب القصر الداخلي وأطلت منه شابة نحيلة لتقول للشبح:

جرس ..وش فيه ؟

وقبل أن ينبس هذا الجرس ببنت شفه أسرعت بخطاي متوجهة لها .

وحين صرت أمامها عرفت أنها مضاوي التي على وشك الزواج: بادرتها بظلال ابتسامة على شفتي:

عمتي أنا شادية .. الطقاقة اللي جيبت مع فرج الله .. ماعرفتيني ؟!

قالت بسرعة وكأنها تقابلني للمرة الأولى: نعم .. وش تبين بالضبط ..

قلت لها في عبارات لاهثة ومتلاحقة حجم العناء الذي لقيته في الاعداد للعرس ..

وعن حلمي الذي صحبني لأسابيع بأن احيي الحفل ..

قلت خصصوا لي ساعة وحدة فقط من العرس لكن لاتحطموا مرة واحدة هذا الحلم. ومتأكدة سأبيض وجوهكم

حين سكت أنتظر ماتقوله، وجدتها توجه الكلام لشبحها الأسود وهي تغلق بابها مختفيه في عالمها:

جرس .. شف شغلك !

أسرع الشبح نحوي وهو يشدني من عباءتي ويسرع بي.

تعثرت أكثر من مرة وأنا أسبه وأشتمه، وهو يبادلني الشتائم.

قذف بي على الرصيف وهو يلعن السوقة من أبناء وبنات الشوارع.

وفي غمرة نحيبي سمعت صرير البوابة الكبيرة وهو يغلق.

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:51 AM
5

مشيت على غير هدى في الشوارع القريبة من القصر

أكفكف دموعي وألعن ضعفي وبؤسي

كرهت في هذه اللحظة نفسي وكرهت فرج الذي عرضني لهذا الهوان

واصلت المشي بلاهدف .. السيارات تمر بقربي وبعض سائقيها يرمونني

بكلمات غزل عفيفة أو خادشة.

لكني لا اسمع إلا شتائم (العبد) وقهقهاته المتشفية.

تمنيت في هذه اللحظة لو أن زلزلا يضرب الرياض ويخفيها كلها ويبلع

مقدسها ومدنسها ورجالها ونسائها

وأغنيائها وفقرائها .

تمنيت لو سوي المربع بالأرض وقبله منفوحة والسبالة والعطايف


توسطت الشمس في السماء وقدماي تحملاني حيث لا أحد ولا هدف سوى

التراب و الهواء السموم ..

وحين جفت دموعي وبالكاد صرت قادرة على المشي أوقفت سيارة تاكسي

وقلت وأنا أرتمي على مقعدها:

ودني للسبالة ..


( 6 )


وجدت الشايب ينتظرني على العتبة متلفعا بعباءته

تنهدت وأنا أقبل رأسه ويديه

كان يراني بقلبه وقد انظفئت عينيه، لذا سألني:

وش فيك يا شديّن ؟

غسل سؤاله قلبي، فقلت وأنا آخذ بيده وأدخله البيت:

مافيه شيء .. مير ميلة البخت يا بييّ

حكيت له ماحدث بدون أن آتي على سيرة (العبد) وصنيعه معي.

قال وهو يرشف قهوته ويعاتبني على ذهابي إلى هناك:

وأنا أبوك .. عنز الشيوخ نطّاحة.

في الحادية عشرة ليلا طرق فرج الباب طرقاته الثلاث الخفيفة.

فتحت له بهدوء حتى لايستيقظ والدي، بينما رائحة عطره الليموني تسبقه:

ابتسم وهمّ بالدخول لكني أبقيت يدي على الباب نصف المفتوح ..

كنت غاضبة ومتحرقة للانفجار في وجهه بسبب مالحقني في الصباح من

مهانة.

قلت له مباشرة وهو لايجد لفعلي أي تفسير:

هات اللي معك ..

ناولني كيس الورق فأخرجت منه قارورة العرق وقذفت مافيها على وجهه ..

وقبل أن يتمالك نفسه أو يمسح وجهه المبلول قلت وأنا أقفل الباب
:
رح لعمتك يا بو عمة ولا توريني وجهك ثانية


( 7 )


بعد أن طردت فرج بهذه الطريقة رحت أبكي بحرارة

لأني أعرف بأني تعمدت جرحه وإهانته لأن لاحيلة لي في جرح سواه

ما كان يستحق مثل هذه المعاملة لكني محبطة ولا أرى أمامي غيره

لم تكن المرة الأولى التي أنفجر في وجهه ولن تكون الأخيرة

ربما كان هذا عزائي

سنعود إلى بعضنا مثل كل مرة

لطالما احتمل ثورات غضبي خلال السنين الثلاث التي شكلت عمر علاقتنا

ولطالما احتمل جنون غيرتي

كنت أحترق كلما تذكرت أشكال (العمات) اللواتي يختلط بهن .. وروائحهن

وغنجهن وبذخهن..

هو استشعر ذلك فتوقف كليا عن ذكرهن أمامي أو الحديث عنهن ..

كنت أخاصمه وأعنّفه على أشياء فعلها أو لم يفعلها لكني أعود له مجددا

مثل قطة صغيرة تتمسح بصاحبها بحثا عن الدفء والحنان

كنت أعرف وهو يعرف أن لاسبيل إلى زواجنا بسبب إرث التقاليد .. مع ذلك

لم تكن لنا أي نية في تحدي هذا الميراث أو الاعتراض عليه .. حتى

بالصوت

لكننا نعرف أيضا أن لاطاقة لنا على الفراق فهذا الإرث مهما شيد من سدنة

و حراس لايملك مصادرة ساعات قليلة نسرقها محلقين فيها بعيدا عن واقعنا

المسحوق

واقعنا المغموس بالفقر والقهر ..

فرج مجبول على الغفران والتسامح

وعلى روح النكتة

يسخر من لونه البني وشكل أنفه .. يسخر من أهله ومن الناس ومن الدنيا

وحدهم الشيوخ كانوا بالنسبة له الخط الأحمر الذي لايقترب منه ولايسمح

لي بالاقتراب

الشيوخ هكذا على اطلاقهم حيث تكون عمته العنود الممثلة الرمزية لطبقة

كاملة ..

طبقة كبيرة مرئية وغير مرئية في ذات الوقت .



( 8 )

بعد ثلاثة أسابيع عاد كل شيء إلى طبيعته

وكأن الأيام هي دواء كل علّة

طويت في قلبي قصة القصر وأعراسه وسندريلاته ولم أعد اذكر منها شيئا

وعدت لأرض أحلامي الواقعية..

أرعى أبي وأسامر فرج خلسة في ديوانيتنا الصغيرة في بعض الأماسي ..

وأحيي مع البنات عرسا في ليلة لأجلس بعدها عاطلة أسابيع طويلة ..

كانت الأيام مثل بعضها لايكسر روتينها الممل سوى الأعراس.. فأدفن

همومي وسط الغناء والطبول والأجساد المنتشية رقصا.

أحلق مثل الحمامة النافرة مبعدة عن كل شيء.

كنت أحب عملي وفخورة به مهما كانت نظرة الناس له دونية.

يشعرني (الطق) أني حرة نفسي، وسيدة قراري وأني (ملكة) في عالمي.

يشعرني بكل هذا مهما كان المال الذي أجنيه منه تافها في نظر فرج الذي

يحكي لي في كل مرة عن أهمية الصعود .. ضرورة اقتناص الفرص

للصعود ..

لكن أي صعود .. كان فرج يصعد باتجاه ماذا ؟!

زاد شعوري بأني حرة منذ جرجرني عبد وألقاني على قارعة الطريق

بدأت أرثي في قرارة نفسي لحال فرج..

أشعر بأنه مثل المربوط من عنقه في ساقية لا تتوقف عن الدوران.

لايمكنني أن أكون مثله ولا أريد مع أنني مشيت ذات لحظة بقدميّ لهذا

المصير.

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:52 AM
( 9 )

كيف تحدث الأشياء في الدنيا ..

ترتيب في كتاب الأزل ؟ أم أنها الصدف التي لاترتهن لحكم إله أو بشر..

وكيف تحدث لنا الأشياء الجميلة .. التي لفرط جمالها تبقى عالقة معلقة في

قلوبنا مهما مرّ عليها الزمن ..

وهل من الصدف أن يقودني فرج بيديه إلى مروان .. الذي يصبح وصفه

بالمجنس تارة وبالفلسطيني تارة

أخرى ، نقيصة، أو هو العار الأبدي الذي يدمغ به فرج غريمه اللدود كلما

ضج غيرة أو غضبا ..

كان فرج يخطط لصعودي كما فعل مرات وخاب .. لكن نجاحه هذه المرة كان

إيذانا بخيبته هو معي ..

فلم يكن مروان الحب الصاعق .. أو الحب المخاتل المخالف لما عرفت

وحسب، لكنه الرجل الذي علّم بدون

غطرسة فتاة الأعراس في رياض السبعينات كتاب الحياة ..


( 10 )
ظل فرج لأشهر يضمر هاجسه: لابد أن يعوضني عن الفرصة التي ذهبت بها ريح الشيوخ العاتية

كان يشعر أنه خذلني بشكل ما ..

أيضا ربما كان موجوعا من فكرة أني عرفت أخيرا مكانته الحقيقة عند أولئك الناس.. فبعدها لن يجدي أي إدعاء أو ترقيع ..

قلت له مرارا بأني راضية بما انتهت إليه الأمور .. لا أبتغي أكثر مما أنا فيه اليوم .. أب وحبيب وسقف .. أما حادثة القصر فقد نسيتها بدون أن أضمر حقد أو كراهية لأحد ..

فلم يكن ذلك النصيب قد قسم لي في أي لوح أو كتاب ..

وأنا طالما استندت على مثل هذا الايمان لمواجهة اخفاقي في أي طريق أسلكه ..

لكنه فرج الذي دائما ما يتكسر قولي على صخرة عناده أو تصميمه ..

جاءني ذات يوم ليزف لي الخبر الذي انعطف بحياتي تدريجيا إلى حد أن خلق مني فتاة أخرى ..

محمد العقاد أحد أغنى وأشهر رجال المقاولات سيقيم عرسا باذخا لابنته التي تريد والدتها من فرقة طقاقات المشاركة في الزفة السعودية الفلسطينية المصرية.

لم أكن في وارد أن أسأل فرج كيف بلغه هذا العرض لأني أعرف أن الدائرة التي يعمل فيها مهما اتسعت ستحيل دائما على بعضها ..

لكني كنت ممانعة ومتوجسة..

أما فرج فقد أخذ يستعرض أمامي ثقافته:

شديّن .. تدرين إن العقاد عائلة مشهورة في نابلس قبل يجون لمنا .. طيب تدرين وش أشهر أكلات أهل نابلس
.. الكنافة واليخنة .. وعندهم بعد فسيخ مثل المصارية ..

لاشك أن فرج يتغلب علي دائما إذا جئنا على سيرة المأكولات والبلدان والأفلام المصرية، لأنه طالما عاش على حافة عالم آخر ..

( 11 )

فيلا العقاد التي تقع في منطقة هادئة وجميلة بالملز تغمر الداخل إليها بموجة من الدفء والألفة.

كأنك تعرف هذا المكان أو زرته من قبل في صحوك أو منامك.

كنت مرتبكة لكن لطف السيدة الكريمة هوّن علي الأمر كثيرا.

كانت ترتدي ثوبا فلسطينيا مطرزا وتزواج في حديثها بين الكلمات السعودية والشامية.

ظلت طوال الساعة تناديني بـ بنتي حتى شعرت تدريجيا بالطمأنينه تسيل في أوردتي.

قالت ماتريده مني .. ولم تفاوضني أو تناقشني في السعر المرتفع الذي حدده لي فرج وهو يلاطفني ويقبل يدي في السيارة حتى أرضح أنا الأخرى لاقتراحه بلا نقاش.

وحين نهضت منصرفة كان هو يدخل .. !

جاء صوت السيدة الودود معتذرا: هذا ابني مروان .. فيها شي إذا يسلم عليكي ؟!

لم يأبه بسؤال أمه ولم ينتظر جوابي فتقدم وعلى شفتيه إبتسامة فاتنة كادت تنسيني من أنا ..

طفح وجهي بالعرق .. فبينما أمه تحدثه عن ترتيباتها الأخيرة كان هو منشغلا بالنظر إليّ بوقاحة.

وسيم إلى درجة أشعرتني بالقلق والحرج ..

كان قلبي يرجف بقوة كما لم يفعل من قبل .. لا ادري لم ؟ يرجف كقلب فتاة ساذجة لم يقترب منها رجل ..

كأنني في تلك اللحظة لست شادية ..

( 12 )

لحقني هذا المروان إلى الباب مودعا مع والدته..

كنت أتمنى لو قلت اذهب عني بعيدا .. أرجوك اذهب حتى آخر نقطة تصلها قدميك .. لأن قربك مني بهذه

الطريقة يوترني .. جاذبيتك توترني .. نظراتك الشرهة توترني .. شعرك البني المنسدل يرترني .. ابتسامتك

توترني .. قامتك الطويلة توترني .. كل مافيك يوترني جدا .. ويفقدني انطلاقي وجرأتي ..

يضيع صوتي في لجة الخجل والارتباك وأنا أودعهما وأخرج مسرعة لفرج الذي ينتظرني في الفولكس واجن ..

يمطرني الفتى الطائر بالأسئلة :

ماذا قالوا وماذا قلت ؟

ماذا عن سعرك؟

على ماذا اتفقتم؟

هل أثاث بيتهم كان جميلا؟

حريمهم لابسين إلين الركب ؟

هل أخبروك من الذي سعّودهم؟!

هل قدموا لك الكنافة النابلسية؟

هل .. وهل ..

لاشك كان علي أن أرثي لفرج المسكين .. فقد سأل عن كل شيء .. سأل عن الوقتي والهامشي والعابر خلال (زيارة العمل) تلك ..

سأل ليطمئن على حال محبوبته .. وسأل ليرضي فضوله عن ركب الفلسطينيات وثيابهن وكنافتهن ..

لكنه لم يسأل عن ذاك (الشيء) الذي زلزل كياني .. وأثار موجة من البرد في عظامي.

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:54 AM
( 13 )

كان أول شيء فعلته حين دخلت أن مررت بحجرة أبي فإذا هو يغط في نومه العميق ..

قبلت جبينه وخرجت أمشي على أطراف أصابعي ..

خلعت عباءتي ووقفت أنظر في صورتي المنعكسة في المرآة الطويلة المسندة في باحة البيت..

تفرست في عينيّ ورموشي الطويلة وأنفي وبشرة وجهي القمحية الصافية ..

نقضت شعري الأسود الطويل المعقوص (كعكة) .. واستدرت لأراه منعكسا في المرآة حتى منتصف ظهري ..

تأملت ثوبي (الكلوش) الأزرق المنقط بالدوائر السوداء ..

شددته على جسمي أكثر ثم رفعته حتى منتصف ساقي متخيلة أني ألبس فستانا قصيرا مثل زبيدة ثروت التي يدندن فرج باسمها وجسمها ..

نظرت إلى تقاطيع جسدي النحيل وأنا أتقدم خطوة وأتراجع خطوة وألف على هذا الجنب أو ذاك..

لأول مرة أشعر بأني مزهوة بنفسي وشبابي على هذا النحو.. ومزهوة أكثر بكوني استرعيت انتباه شاب غني وسيم لاشك أنه رأى من النساء أصنافا مختلفة ..

لم أكن أعرف من قبل أني يمكن أن ألعب دور الجذابة أو المغوية لأحد أخر غير فرج ..

أصلا لم يكن الرجل يعني لي سوى أحد اثنين .. أبي الضرير وبعده (خويي) الطائر .. فرج ..

( 14 )

أبي كان يخصص أول جمعة من كل شهر للسفر إلى الخرج ثم العودة منه صباح السبت.

حيث يمضي يومه مع أولاد أخته منيرة التي توفيت عنهم وهم صغارا فبقي والدهم دون زواج خوفا على صغاره من امرأة لاتراعي الله فيهم حتى غدوا شبابا دون أن يقطع أبي عادته التي كانت تجلب له راحة الضمير والسلوى أيضا فهو يحب هواء الخرج وأوديتها ومزارعها.

كانت أول جمعة من الشهر تعني أن أجهز لأبي دلة القهوة وابريق الحليب مع بعض الخبز أو المراصيع من بعد صلاة الفجر مباشرة، فإذا اقتربت عقارب الساعة من السادسة صباحا يبدأ صوت منبه سيارة فرج يشق سكون الصباح مرتين أو ثلاثا متعاقبة من غير مبالاة منه بالجيران النيام في هذه الساعة المبكرة.

أفتح الباب لأبي وعصاه في يده وهو يذكر الله ويستغفره بصوت عال فيساعده فرج في ركوب المقعد الأمامي ثم يلتفت لي وأنا مازلت واقفة بالباب متلفعة بشيلتي الخفيفة فيطيّر لي قبلة في الهواء وهو يشير بسبابته على ساعة يده السيكو المذهّبة.

كانت هذه هي الاشارة المتفق عليها بيننا ليذكرني بما اعتدنا عليه أو بأنه ساعة يعود من مشواره فإننا سنمضي اليوم معا.

حين عاد لي فرج في الضحى كنت قد أعددت لوازم للأكل والشرب، أخذتها معي وركبت السيارة إلى جواره متوجهين لـ (ديراب) حيث وعدني أنه سييطبخ لي كبسة شيوخ .. مهوب طبخي (الماصل) ..

قبل توجهنا للبر ذهب لشارع الشميسي، ثم أوقف سيارته أمام أحد البيوت بعد أن تجاوز الجامع بمسافة. خرج وفي يده غرض ملفوف، خمنت مباشرة ماهو .. عرق !
قلت له وهو يستوي خلف مقود السيارة : والله إنك هيس أربد ..!
قهقه وهو يلفت وجهه نحوي : بس الهيس الأربد يحبك ..

أخذنا طريقنا لديراب وهو يكلمني بحماسة :
- عمتي تبي تسافر لمصر تعالج كلاها ويمكن تاخذني معها ..
- الشرهة ياعيوني ذا السنة مابعد شفناها وإلا ناوي أشتري لك (غوايش) ..
استمر يحكي بدون تعليقات مني مطلقا لذا قال وهو يبتسم ابتسامة خبيثة :
إيييييييييه .. عيوني ماتبيني أروح لمصر لا ألفي على غيرها !

وصلنا لأرض مستوية فنزلنا وفرشنا البساط ونصبنا لوازم الطبخ. أنزل فرج مسجله الصغير وأداره على صوت فريد الأطرش الذي يعشقه محاكاة لعمته المصون .

صدحت الأغنية تحت سماء ديراب وفرج يداعبني ويعبث بشعري :

جميل جمال .. مالوش مثال
زي الغزال .. جميل جمال
ليه الدنيا جميلة وحلوة وانت معايا
ليه تخلي القلب بنشوة وأنت أساي
تسألني ليه معرفش
والسر إيه مفهمش ..

( 15 )

في طريق عودتنا من ديراب وقد اقتربت الشمس من المغيب استأذنني فرج أن يمر بزميل له من مخضرمي خويا القصر ليخبره برسالة من العنود.

بلغنا قريبا من ساحة الصفاة فأوقف فرج الفولكس واجن على الطريق ونزل لجهته طالبا مني الانتظار.

كنت مخنوقة لسبب لا أدريه .. ربما هو مرتبط بحلول الظلام فمنذ طفولتي الأولى وبدايات الليل تصيبني بكآبة تشتد أحيانا حسب مزاجي أو حالتي النفسية.

نزلت من السيارة ومشيت باتجاه جامع الامام تركي بن عبدالله. لا أدري لماذا لكن قدمي ساقتني إلى هناك.

كان المصلون يدلفون إلى الجامع الكبير فوقفت أمامه بعيدة عن الداخلين وبدأت في التنفس بعمق وكأني أسحب أنفاسي من عمق صدري الذي تطبق عليه قوة تخنقه.

كان صوت الامام حين بدأ في القراءة رخيما لدرجة أبكتني .. وجدت دموعي تتساقط مدرارا بدون نشيج أو بكاء.

راودني الشعور العميق بالذنب وعينيّ مسمرة بالجامع الكبير ومئذنته .. الشعور بالإثم .. الشعور الذي أصارعه أحيانا إذا تأملت في علاقتي بفرج فأشعر بأني خاطئة ومذنبة ..

لكني كثيرا ما أقمع هذا الشعور ولا أسمح له بالاستيلاء عليّ .. خالقة لنفسي المبررات.. أنا لا أملك خيارات .. حياتي كانت مقفرة باردة محدودة قبل فرج .. هو نافذتي الوحيدة على دنيا الأحلام والمشاعر .. بل هو نافذتي الوحيدة على الدنيا بأكملها .. بدونه ستكون أيامي متشابهة .. و ..

بدأ المصلون في الخروج فانتبهت لنفسي .. أسرعت إلى السيارة فإذا فرج ينتظرني قلقا ومتسائلا ..

( 16 )

ناولني سائق آل العقاد مظروفا صغيرا قائلا بأن أم مروان تقول : هذا نص المبلغ والنص الثاني بعد نهاية العرس.

فتحته في المطبخ بينما النعناع يغلي فوق النار محدثا رائحة لذيذة، فشهقت من السعادة وأنا أعد الألف وخمسمائة ريال. بقي لي عند السيدة مثلها.

سأتقاسم هذا المبلغ مع البنات الثلاث كما هو عادتنا حيث أتميز عنهن دائما بزيادة ما أقدرها حسبما أرى بوصفي (رئيسة) الفرقة والبحث عن العمل والاتفاق عليه وجميع الترتيبات تأتي عن طريقي.

كان هذا أكبر رقم حصلت عليه مع بنات الفرقة أو فكرنا في الحصول عليه حتى ذلك اليوم.

لم يكن المال الذي نقبضه من الناس وفيرا وكنا نعاني مماطلة غريبة من البعض وكثيرون كانوا يخلفون بوعودهم أو يعطوننا في النهاية مبلغا صغيرا مع أشياء عينية لاقيمة لها كقطع القماش أو قدور الطبخ أو الطرح وأكياس الحناء.

لكن الشيء الذي أذهلني مساء الغد هو حين عرفت من سيدة آل العقاد أن عرسهم سيكون مختلطا، وأنهم سيقيمونه في قصر أحد أقاربهم، إذ تأكدوا من استحالة اقامته وهو مختلط في فندق أو صالة.

لم أكن أتصور ذلك، ولم أعرف ما إذا كن البنات سيفسدن الاتفاق باعتراضهن على هذا التقليد الذي لم يعتدنه.

كل شيء بدا لي غريبا وطريفا.

قالت لي السيدة بأنها ستسهل الأمور علينا وستسمح لمن تريد بلبس البرقع بشرط الالتزام بالفساتين السماوية التي ستكون بدون أكمام وعارية الظهر ..

كيف سنبدو ياترى ؟! عرايا ومبرقعات في ذات الوقت ؟!

قلت لنفسي مؤنبة: هذا جزا من يدخل في شغل مع فلسطينيين.

للحق لم تكن لدي مشكلة على الصعيد الشخصي.

لا أبالي كثيرا بأن أختلط برجالهم، خاصة والحابل سيكون مختلطا بالنابل وكل واحد منشغل بنفسه .. ولا أبالي أكثر خصوصا إذا تأكدت بأنني في مكان لن يراني فيه أو يعرفني أحد ممن أعرفهم.

لكن المشكلة كان في: هل ستوافق الأخريات على هذه الباقعة ؟!

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:55 AM
( 17 )

حين يسيّل المال لعابك .. تصبح براغماتيا !

هذا القانون عرفته فيما بعد من معلمي مروان وأنا أتوسد ركبتيه ..

لم يكن صنيع البنات وفرج قبلهن وأنا أكشف الستار عن خبر المبرقعات العرايا سوى أفضل انعكاس لقانون مروان عن اللعاب والبراغماتية.

فرج استشاط حنقا وغيرة بعض الوقت شاتما فساد العرب وانعدام المروءة فيهم، مع أنه يشهد في قصوره أضعاف هذا لكنه نفاق فتاي الأسمر .. الذي لن يحتمل أيضا أن تكون فتاته حاضرة هذا (الفساد والخراب) ..

مع ذلك سرعان ماوزن فرج الموضوع في رأسه البرجوازي الصغير فقال :

طيب .. حنا بعد لازم نفهم إن هاذي عوايدهم .. مافيها شي تراهم ناس محترمين .. وبينكم وبينهم شغل .. ثم سلام .. سلام عليكم.

بالنسبة للبنات فقد انسحبت سارة قائلة : حدا الله بيني وبين الحرام .. بينما بقيت نورة والبندري ..

قلت لنفسي هذا أفضل من صداع الرأس الذي يجلبه لي كثرة التشكي الذي هو من لوازم سارة للبقاء على قيد الحياة. فقلما يعجبها أناس أو حفل أو يرضيها اتفاق أو مال .. فهي دائما ترى نفسها مغنية عظيمة لم يكرمها قومها ولم يفهموا موهبتها (العظيمة).

سارت الأمور بعد ذلك بمنتهى السلاسة. سلمت لنا الفساتين الضيقة العارية التي قلّبتها نورة بقولها : ياخزياه !

أعلمنا بما هو مناط بنا أثناء رقص المعازيم ومن ثم أثناء الزفة . أجروا لنا بروفة مع الفرقة الأخرى المكونة من ثلاث فلسطينيات ومصريتين.

وأعلمنا بضرورة الحضور ليلتها مبكرا قبل الخامسة مساءا لأن مكياجنا وتسريحاتنا ستكون على يد خبيرة .. !

ضحكت البنات كثيرا وكان ذلك يبدو لنا جميعا مثل حلم من أحلام ألف ليلة وليلة ..

سألت البندري مازحة: من العروس ؟ حنا ولا بنتهم ؟؟


( 18 )

أوصلنا فرج بيت العقاد مبكرا في حدود الرابعة عصرا من يوم الخميس .. قال لي مودعا قولا لم أفهمه وهو ينزل أغراضنا في مدخل الفيلا :

شديّن .. احفظي نفسك !

كان قلقلا من شيء غامض يتوقعه ولايعرفه. طمأنته ودخلت مع نورة والبندري مسرعات خلف الخادمة السودانية التي أجلستنا في الصالون وغابت لشأنها.

جلسنا قرابة نصف ساعة لم يسأل عنا أحد ونورة تتململ وتسأل:
وين ذولا ؟ وينهم طاسيّن ؟

كان أحدهم يدخل ويخرج بباقات ورد ملونة .. وسلال الشوكولاتة تحمل إلى الخارج .. وصوت الهاتف لايتوقف عن الرنين.

فجأة دخلت علينا أم مروان والتعب يبدو عليها .. قالت وهي تسلم علينا بعينين زائغتين:

جاهزين يا شادية.. جايبين كل الأغراض يا بنتي ؟

وقبل أن أجيب قالت :

هاهه .. زي ما قلت لك بدنا شغل يبيض وجوهنا قدام الناس .. وهلا تطلعوا فوق عند (مالو) تعمل لكم المكياج والشعر وبعدين تجيبكم السيارة مع أغراضكن عل الفرح ..!

قلت غاصّة بريقي:

نورة والبندري ماله موجب يتكوفرن .. !

لم تفهم السيدة فقاطعتني :

شو يعني ؟

قلت موضحة:

يعني ماله داعي يتمكيجون ويكدون شعورهم .. يبي يلبسن براقع ..!

ابتسمت السيدة:

إيه ماشي .. وأنتي حتتكوفري ؟

أجبت بإيماءة موافقة من رأسي ..

فقالت: إذا هيك .. يا الله .. شوفوا شغلكم.

كان كل شيء يحدث لنا ومعنا منذ هذه اللحظة تجربة جديدة في حياتنا، فلم نعهد من قبل شيئا كهذا. أو حتى يشبهه.

كنا نأتي للأعراس بوجوهنا المغسولة بالماء والصابون أو بالماء وحسب .. وبثياب بيوتنا المستترة خلف العبايات، وبشعورنا الملفوفة تحت الطرح. لم نكن شيئا مهما أو مثارا للعناية الفائقة حتى نعتني بأنفسنا.

أما في تلك اللحظة (التاريخية) التي نظرت فيها لنفسي في المرآة بعد ثلاثة أرباع الساعة من التلوين والتمشيط فقد كدت أصرخ ..

من خلفي البنتين لأ أدري أيهما شهقت وهي تقول:

يا الله .. أحلويتي يا شادية.. صرتي زي مغنيات التلفزيون !

داخلني بعض الغرور وانا أسمع التوصيف وأستدير أمام المرآة.. إذا الجمال لا يكلف أصحابه شيئا..

لكن سرعان ماقال صوتي الداخلي: أنت يا شدين جميلة بالفعل .. قبل .. وبعد ..

كانت الساعة تقترب من السابعة والنصف وحافلة صغيرة تنقلنا من فيلا العقاد بالملز لتوصلنا إلى قصر المهندس مصطفى النمر الآغا في عليشه ..

نزلنا على التوالي: البندري ونورة وأنا وبنات الفرقة الأخرى .

كانت العقود المضيئة تزين أسوار القصر وواجهاته وتتسلق جذوع الشجر.

البوابات الكبيرة مشرعة وعليها حراس بالثياب السعودية الفلكلورية الموشاة بالقصب.

خدعة بسيطة وضعوها للتمويه على حراس الفضائل وأصحاب المشاكل .. فقد كتبوا على لوحة ظاهرة نصبوها في الشارع: الرجال يدخلون مع البوابة الشرقية ..!


( 19 )

كان كل شيء في داخل القصر مذهلا في رونقه وتنظيمه وبذخه لدرجة تصيب الرأس بالدوار.

تقدمتنا بنات الفرقة الأخرى إذ كن أكثر منا جرأة بكثير وأكثر فهما لما يجب وتعودا على هذه الأجواء.

دخلنا غرفة صغيرة جانبية حيث خلعنا جميعا عباءاتنا. كان الوضع محرجا في البداية لي، فقد شعرت بأني عارية كيوم ولدتني أمي..

لن أعرف كيف أمشي بهيئتي هذه، أو أتصرف أو أضرب بيدي على الطار أو أغني أو أزف عروسهم.

بهت لوني والتصق لساني في فمي وأنا أنظر في مرآة حائطية لذراعي العاريتين وعنقي وشعري وصدري ومكياجي الصارخ.

الآن لم يعد هناك مسافة للتراجع أو للهرب .. لكن لو كان فرج معي لهان الأمر عليّ .. بل لو كان فرج هنا لشدني من هذا الشعر ورماني في الفولكس واجن..

حسدت البندري ونورة على برقعيهما. فتغطية الوجه حتى لو كان الجسد في فستان عار أو حتى بلا أي فستان سيجلب الراحة والشعور الخادع بالتخفي.

قلت لنفسي وأنا أعض شفتيّ ندما: ليتني أتيت على سبيل الاحتياط بالبرقع ..

لكن ما أعظم رحمة الله .. فبمجرد خروجنا من غرفتنا صادفنا بعض نساء آل عقاد وآل نمر الآغا يتبخترن حول المسبح وموائده كاشفات نحورهن وسيقانهن وأفخاذهن فأعطاني ذلك دفعة قوية من الشجاعة والشعور بالأمن.

على الأقل أنا لا أكشف مقدار كشفهن. كما أن الجميع لاهين في شؤونهم ولايبدو في تلك اللحظة بأن ثلاث طقاقات سعوديات مسحوقات سيلفتن بلباسهن انتباه أحد من هذه الارستقراطية الفلسطينية ..

الأرستقراطية التي جعلت البندري تهمس في أذني:

يقولون إن أكثر أهل النار من حريم مصر وفلسطين ..!


( 20 )

ظل الناس يتوافدون على الحفل حتى التاسعة .. وحين بدأ الاحتفال خشيت أن وجودنا كان صوريا أو شكليا.

لقد كانت الأغاني السعودية والأردنية واللبنانية تنطلق صافية .. وبعض المعزومين يقفون في صفوف متقابلة أو على شكل دائرة ويرقصون الدبكة على صوت عصام رجي أو سميرة توفيق.

نحن اتخذنا جلستنا الأرضية المعتادة وكن جاهزات للطق والغناء لكن أحدا لم يقفل الأستريو ولم يعطنا إشارة لنبدأ وكأننا لسنا موجودين.

بدأت البندري ونورة في التهامس: وراهم ماعطونا وجه؟ وين المعزبة ؟

أما أنا فحين طال الوقت على هذا النحو بدأت أشعر حقا بالحرج والمهانة .. وكتمت حنقي على السيدة ..

دارت الهواجس في صدري: لم إذا تعاقدت معنا حرمة العقاد وأتت بنا وأعطتنا تعليماتها العسكرية الطويلة إذا كانت في النهاية ستعتمد على المسجل والسماعات؟ !

بحثت عنها بعيني بين الطاولات وأمواج الأجساد لكني لم أرها وكاد الاحباط يصيبني لمرور هذا الوقت الطويل ونحن جلوس أمام الناس لانفعل شيئا ولا يأبه بأمرنا كائنا من كان.

وإذ تأكدت بأن التجاهل قد يطول على هذا النحو المهين قررت أن أتخلص من أي خجل أو خوف وأن أعالج الأمر بطريقتي الخاصة ..

فما أن بدأت أغنية جديدة حتى قمت من مكاني وبدأت بالرقص بينما نورة والبندري قد طارت عيونهن من محاجرها دهشة واستغرابا من جرأتي غير المتوقعة .. والمشينة في نظرهن.

لحظات قصيرة فقط وحدث ما كنت متأكدة منه، فراقصو الدبكة قد توقفوا وأصوات الكؤوس والضحكات قد خفتت وأبصار الرجال والنساء مشدودة لجسد هذه السعودية النحيلة التي ترقص بليونة وإثارة لاتعرفها دبكتهم الباردة .. وقلة يدرون من هي هذه الفتاة ؟ أو كيف هبطت على هذا العرس ..؟

فاقت نتيجة هذه الوصلة الراقصة كل توقعاتي ..

ليس فقط بعاصفة التصفيق الحارة التي قابلتني .. وبصفير الشباب والبنات ونظرات الاعجاب.. وبالتفاتة القوم الذين عرفوا أخيرا بوجودنا ..

بل أيضا في ذلك الرجل الكهل الأنيق الذي أربكني تصرفه كما لما يربكني أي شيء أخر في تلك الليلة.. فقد تخطى الطاولات ليطبع قبلة على يدي ..!

الرجل الذي عرفت أنه المهندس والملياردير مصطفى النمر الآغا نفسه.

( 21 )

حين أفقت من هول فعلة مصطفى الآغا وهول مافعلته أنا برقصي السافر في لحظة جنون انتبهت لوجود أم مروان التي وشى وجهها المتغضن بكم كانت مصدومة مستاءة من خرقي لـ (البروتكول) !

لم يكن الوقت وقت عتاب لأن في جعبتي من العتاب مثل ما في جعبتها .. لكنها انحنت علي وأنا جالسة أتحضر مع البنات لنبدأ في أول شوط من (الطق ) .. وقالت:

- خلص .. انتي ماتنفعي هون !

حسبتها تطردني .. فقلت بحنق:

الرازق الله .. قوموا يابنات ..

فقالت باستياء أكثر:

انتي بس .. الآغا بدوه إياك ع طاولته ..

نظرت لها ثم لنورة والبندري مشدوهة وقلت ببراءة بدون أن أفكر في طلبها الغريب:

وش يبي ..؟ وبعدين كذا يخرب الطق .. أصلا مافيه طق بثنتين !

ردت وقد نفذ صبرها وبدت لي إمرأة أخرى تماما غير تلك الودودة التي قابلتها للمرة الأولى في بيتها:

ينحرق الطق على سنينه .. يعني شايفة العالم حيموتي ع هالطبلة !

ثم أخذتني بيدي وكأنني طفلة بلهاء لا أملك من أمري شيئا .. قالت وهي تدفعني لطاولة عليها ثلاثة رجال وامرأتين متكلفة ابتسامة باهتة:

هاي شادية .. نجمة الليلة ..

ترك لي أحدهم الكرسي القريب من مصطفى النمر الآغا إلى كرسي آخر .. بدا وكأن الأحداث تسير في اتجاه يعرفونه جميعا باستثنائي ..

همس المهندس بلزوجة مقيتة ونظراته تتدرج نزولا من وجهي إلى عنقي :

شرفتينا يا شادية !

كان قلبي يدق بقوة وسيقاني تنتفض رهبة وحرجا .. لا أعرف لم أنا هنا في مكان ليس بمكاني .. وكيف سأتكلم وماذا سأقول . . وماذا يريدون مني؟

تمنيت في هذه اللحظة لو أطلقت ساقي للريح حتى أصل السبالة بأزقتها وغبارها..

لو كنت مع فرج نتمشى في الثميري .. نثرثر ونضحك ..

لو توسدت فخذ أبي ورحت في نوم عميق لا أرى فيه هذه الوجوه ولا أسمع تلك الأصوات ..

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:56 AM
( 22 )

دقائق أعقبت جلوسي بينهم وبدأ يتدفق حديثهم بمشاركة المرأتين في موضوعات مبهمة .. في أخبار العقار والصفقات وعقود المقاولات ..

كانوا يأتون على سيرة أرقام فلكية وأحياء جديدة وشركات وأسماء شيوخ رنانة .. حتى لكأن وجودي بينهم في تلك اللحظة الزمنية كان أقرب لامتزاج المأساة بالكوميديا في ليل الرياض الطويل .. ليل الرياض الذي لا آخر له ..


عدت ثانية كأنني غير موجودة لولا أن المهندس ترك النقاش المحتدم ومال علي فجأة يسأل:

أنتي .. كم عمرك ؟

قلت واصابعي تروح وتجيء على كأس عصير التفاح :

واحد وعشرين ..

رد اجابتي وهو يهز رأسه ويمط شفتيه:

واحد وعشرين .. حلو !

لم أدري ماهو الحلو في الواحد والعشرين فنظرت متشاغلة إلى حلبة الرقص فإذا نورة والبندري قد اندمجتا مع بنات الفرقة الأخرى .. شعرت بارتياح ..

اندمجتا حتى والحابل قد اختلط بالنابل وضاع الطار مع (الأورج) ولم يسر أي شيء كما توقعناه أو خططنا له مع سيدة آل عقاد من قبل ..

وقبل انتصاف الليل بنصف ساعة أطفئت الأنوار اعلانا عن بدء زفة العروس .. هذه المرة الأولى التي أشهد فيها زفة بهذه الطقوس الباذخة ..

احتبست أنفاس الجميع وعروس العقاد تنزل الدرجات الرخامية بتؤدة تحفها راقصة ببدلة شبه عارية والبنات الصغيرات من خلفها يرفعن ذيل فستانها.

ارتفعت الزغاريد والتهليل وأصوات الموسيقى ..

ولمحت للمرة الأولى في هذه الليلة مروان .. لمحته ببدلة سوداء أنيقة وقد ربط شعره كذيل صغير وهو ينتظر مع أبيه عروسهما في أسفل الدرج ..

كان بصري معلقا بالعروس وقلبي يخفق وأنا أتخيل نفسي في مكانها بهذا الفستان الأبيض الجميل .. أمشي نحو فرج ..

فرج ولا أحد في الدنيا غيره .. لكن .. لا .. انتفضت واقفة ولا يضيء صالون هذا القصر الكبير سوى الشمعدانات ..

كان المهندس الفلسطيني الأشيب قد فقد رشده وهو يمد يده ويضغط بقوة على أعلى ذراعي .. كنت على وشك أن أنسى من أنا ومن هم ..

كنت على وشك أن أقلب الطاولة على هذه الوجوه الصفيقة وأصرخ فيها .. لكن شيئا من هذا لم يحدث .. نهضت بصمت مطبق وكأن شيئا لم يحدث .. كأني بلعت لساني !


23 )

خرجنا في الواحدة والنصف صباحا وفرج ينتظرنا..

بصعوبة وقعنا على الفولكس واجن الصغيرة بين عشرات السيارات الفارهة..

كان فرج مسترخيا بداخلها يغالب التعب أو النوم..

ارتمينا على المقاعد .. وبينما هو يلبس غترته سأل:

هاااه بشروا ؟ عسى الأمور زينة ؟

البندري و نورة التزمتا الصمت فليس من المعتاد أن تتحدثا أمام فرج بصوت عال، ولم أكن أصلا لأسمح لهما بذلك، مع أني أعرف بأن لديهما الكثير من الحكايا والنمائم..

ورغم أنه لم تكن لدي في هذا الوقت أي رغبة في الحديث والصداع يمسك برأسي.. فقد أجبته باختصار محاولة أن أرضي فضوله، بدون أن آتي على التفاصيل التي لا أريده أن يعرفها أبدا.

مشى فرج بسرعة في شوارع الرياض شبه الخالية .. صامت لايتكلم، وحين أوصلنا الفتاتين، تلاحقت أسئلته وهو ينفث دخان سيجارته:

شديّن .. وش شفتي ؟ وش صار ؟ من حكى معك؟ وشلون عرسهم؟

أعرف فرج كما أعرف نفسي .. قلبه الشفيف الذي لايكذب يقول له بأن لتلك الليلة أسرارها .. أسرارها التي ستغيرني ربما للأبد

لكني تبرمت من سؤاله مدعية بأني قلت له كل ماعندي ..

سكت بعدها مجروحا وتركني لهواجسي المتلاطمة ..

كانت هذه الليلة مثل حلم أستفيق منه الآن ..

حلم أخرجني لساعات من بيتي وعالمي وذاتي ومهنتي وجلدي ..

ها أنا أعود إلى نفسي ..

ها أنا في طريقي إلى الطين الذي ولدت ونشأت فيه.. الذي شهد حماقاتي ومغامراتي وضم في دفئه أحلامي البسيطة ..

في طريقي إلى طين الرياض القديمة الذي كنت أريد قبل قليل الركض إليه هاربة من وجوه أنكرتها وأجواء غريبة أثقلت على نفسي ..

لكن الضيق يخنقني في هذه اللحظات التي نطل فيها على بيوت وطرقات السبالة أكثر مما فعل بي وأنا تائهة العينين على طاولة مصطفى النمر الآغا ..

ماذا يحدث معي لتنقبض نفسي هكذا وأنا أدخل من جديد في جلدي وفي ذاتي ..

مالذي تغير في السبالة حتى تطبق على أنفاسي هكذا ..؟!

مالذي يحدث معي ..؟!

( 24 )

تقلبت في فراشي بدون أن يغمض لي جفن.

كانت صور القصر بترفه ومؤسيقاه وموائده ورجاله ونسائه تتلاحق في رأسي بهوس يحرمني لذة الرقاد.

تأملت في حالي قبل بضع ساعات كأميرة بلا تاج تأسر القلوب والأبصار وفي حالي الآن حيث أتقلب على فراشي القطني البالي في بيت متهالك لأحسب صفوف الخشب المثبتة في سقف هذه الغرفة الخانقة ..

(شوفة) أبي في ساعات الصباح الأولى دفعت بعض الطاقة في جسدي ..

جلبت له القهوة والرطب وبدأ يحدثني مثل كل (شيّاب) نجد الطيبين عن (البرحي والسلج ) وبركة زرع النخل في الدار. كم هو طيب أبي، فلم يعرف يوما بركة القصور والمال والمقاولات وسيذهب لربه راضيا مرضيا قبل أن يعرفها ..

فعلى بعد مسافة قصيرة منا في ذات هذه المدينة التي يغطيها الغبار وتغلي من الشمس الحارقة توجد حيوات أخرى بلا غبار ولاسخونة ولا عتمة ولا بركة نخل .. حيوات استمرارها متعلق ببركات الآغا أو محمد العقاد أوالعنود بنت مساعد ..

تنهدت بقوة كمن يسحب أنفاسه من عمق بئر قصي .. وأستأذنت أبي في الخروج للسوق لشراء بعض اللحم والخضر .. لكن هذه لم تكن سوى حيلة مني لزيارة خيزرانة التي تقضي محكوميتها في السجن.

فقد عرفت قبل أيام أن المرأة التي تعلمت منها المهنة منذ كنت في الرابعة عشرة وبقيت في صحبتها حتى انفصلت بعملي عنها بناء على رغبة أبي الملحة في مفارقتها قد تورطت في قضية وحبست منذ عامين.

رأيت أنه من الوفاء أن أطمئن عليها فلطالما أحسنت وعطفت عليّ.

سائق التاكسي لم يتوقف عن النظر لي في المرآه أمامه منذ طلبت منه أن يوصلني إلى سجن النساء في شارع العطايف..

حين أوقفني أمام الشرطيين الواقفين يحرسان البوابة المفتوحة مددت له الريال ونزلت على عجل هاربة من عينيه الصفراوين..

اشتريت من دكان مجاور كيلو موز وبعض المرطبات..

استقبلتني خيزرانة بالضحك والأحضان. بدت غير مصدقة أنها تراني في هذا المكان. سألتني عن نفسي وأبي والبنات والطق والفلوس وأحوال فرج بدون ان تتوقف لحظة عن مضغ اللبان وفرقعته..

وحين جاء دوري لأسألها عن حالها تجنبت أن أستفهم عن سبب سجنها حتى لا أجرحها أو أحرجها فقد سمعت خليطا من الكلام عن السحر أو الشراب أو الرجال ..

لكن خيزرانة هي ذاتها خيزرانة التي لايهمها الناس منذ وعت الدنيا على حقيقة أن الناس لاتهتم بمجهول الأبوين .. قالت وهي ترفع كمي ثوبها عن ذراعيها السمراوين السمينين:

حسبي الله على من فتن علينا .. طبوا علينا وخذونا !

لم أعد أحتاج إلى توضيح حتى أفهم صيغة الجمع في كلامها.

لكن أي طريق ذهبت فيه يا خيزرانة وليس لك من ظهر يحميك .. ؟! أي طريق خطر أخذك وأنت لاتسكنين في حماية المربع ولا في عليشة ..؟!

هل كنت أنانية شريرة حتى أشعر بكل هذا الانشراح في نفسي وأنا أخرج من ممرات السجن المعتمة لضياء الشارع ..

خرجت منها مرتاحة وكأن زيارتها في هذه الحفرة كانت ضرورية لأغسل من عقلي خيالات قصر البارحة التي تعذبني ..

بدأت أمشي في شارع العطايف أرقى رصيفا مكسرا وأنزل من رصيف مكسر وأصوات أهل الدكاكين والعمال والأولاد تقول لي :

لتكن حياتك فقيرة تعيسة لكنك على الأقل لست سجينة مثل خيزرانة .. أنت لست هند العقاد .. لكنك ايضا لست تعسة ملعونة من فوق سبع سماوات مثل خيزرانة ..

واصلت مشيي حتى حاذيت مستوصف الفوطة .. فعدت عاكسة طريقي لأول الشارع.

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:57 AM
( 25 )

ألم يعدني فرج حالما يستلم الشرهة بـ (غوايش) ؟!

جاء تحت جنح الليل .. وجاء بها معه ..

قمت أفتح له الباب متثاقلة أجرجر أقدامي..

لم يقفز قلبي فرحا وترقبا. لم أتعطر ولم ألبس (دراعة الزري) .. وظل شعري معقوصا بإهمال ..

أعرف اليوم بأن تلك الليلة كانت بطريقة غير محسوسة فاصلة في قصتي مع فرج .. القصة التي ظلت لأشهر طويلة تترنح .. حتى سقطت أنا ثمرة ناضجة في يد مروان ..

حين دنا مني الفتى الطائر أزعجتني رائحته كثيرا ..

لم أقو على احتمالها .. شعرت بالقرف والرغبة في تقيؤ كل ما في معدتي ..

كنت أنظر في يديه الداكنتين، أظافره الصفراء، شعر رأسه الأكرت، قماش ثوبه، نعله النجدي، وتداخلني مشاعر قوية بالنفور ..

سألت نفسي: متى كانت آخر مرة اغتسل فيها ؟! هل أسأله لأتعمد جرحه ؟

مؤكد أن رائحته هي ذاتها لم تتغير ..

مزيج من العرق والسجائر وعطر الليمون ..

الرائحة التي شممتها ألف مرة .. وألف مرة عذبتني واسكرتني وأشبعتني .. لكنها في هذه اللحظة تصيني بالغثيان .. فأتمنى لو كان بيني وبين صاحبها ألف جدار ..

سامحني يا فرج .. لست خائنة ولا قليلة أصل كما اتهمتني ..

لكن ألم أقل لك بأني خرجت من جلدي وتهت في طريق عودتي ..


( 26 )

بقي لي لدى عند سيدة العقاد ألف ونصف حسب اتفاقنا على المبلغ المقدم والمؤخر لكن لم تكن لي نية في السؤال عن المال أو المطالبة به لآني أكثر من يعرف بأننا لم نفعل شيئا ذا أهمية فقد امضيت وقتي وركبتي في ركبة مصطفى الآغا بينما البنات (ما طقن) في حياتهن أسوأ من (طقهن) في تلك الليلة وقد انفرط عقدنا.

لكن المفاجأة حملها لي اليوم العاشر على انقضاء ليلة العقاد الساحرة .. وأي مفاجأة ؟!

حين وقفت على الباب أسأل عن الطارق وقد خمنته أحد (شيّاب أبي) .. جاءني الرد ..

مروان يا ستي.. مروان العقاد .. !

انتفضت وكأن تيارا صاعقا جرى في أوردتي .. إنه هو ؟

مالذي أتى به ؟

كنت بحركة لا إرادية سأضع الشيلة الخفيفة على وجهي قبل أن أفتح .. ولكني تداركت وفتحت سافرة وكأني أريده أن يراني ..

أو كأني مدفوعة لأثبت له : أنظر فأنا (متمدنة) مثلكم..

كان يرتدي بنطلون جينز أزرق فاتح وتي شيرت أبيض ويقف بجوار سيارته الكابريس البيضاء الجديدة .. موديل هذه السنة 72 .. قال بعفوية وكأنه يعرفني من زمن طويل:

مسا الخير شادية .. كيفك ؟

كنت بلا حنجرة تسعفني بالرد فتابع قائلا وهو يمد لي مظروفا يشبه المظروف الأول الذي جاء به سائقهم :

أمي بتشكرك .. وبتقول هاي باقي المبلغ ..

تلاقت أصابعنا وأنا آخذ منه المظروف فكأن حريقا أمسك بعصبي .. كنت متأكدة بأن نظراته الجريئة ستوقعني أرضا في أي لحظة.. قال وكأنه يتعمد إطالة وقوفنا:

ماتقطعينا يا شادية ..

ثم ناولني ورقة صغيرة وهو يقول:

عنوان شغلي وتلفوني لو حبيتي أي شيء أنا تحت أمرك ..

أقفلت الباب خلفه والأرض تدور بي .. كنت أحاول أن أفهم لم أتى بنفسه هنا .. !

( 27 )

قررت بيني وبين نفسي أن التدرج هو أفضل طريقة أنهي بها علاقتي بفرج .. سيتقبل الأمر وهو يرآني أنسحب من حياته تدريجيا .. أو أدفعه بعيدا عن حياتي بالتدريج..

أريد القرار أن يأتي منه هو حفاظا على كرامته .. أريده هو من يضع حدا لهذه العلاقة التي صارت عبئا علي ..

بدأت في رفض عروضه المتكررة للخروج معه .. وحين أخرج تحت إلحاحه أميل إلى الصمت واختلاق المشاكل..

قللت استقبالي له حتى أنه لم يدخل (الديوانية) منذ ثلاثة أشهر .. تعمدت أن أكون جافة باردة معه علّه يكرهني أو يطردني من قلبه .. علّه يريحني من هذا العذاب الذي يثقل ضميري ..

لا أريد أن أجرحه أو أسبب له أذى أو ألما .. لكني يا ربي لم أعد قادرة على الاستمرار ..

لا أريد أن أكون كاذبة أو ممثلة أو متلاعبة بمشاعر هذا الفتى الطيب .. أريده أن يتركني بسلام بدون لوم أو عذاب وأن يدعني أبحث عن حياتي ..

لكن لم يكن التخلص من فرج سهلا أو يسيرا كما صورت لي خبرتي القليلة بقصص الحب الجامح ..

كان فرج يزداد تمسكا وتشبثا بي وأنا أزداد نفورا وقسوة وبعدا .. كنت أحيانا امتلئ غضبا وأحيانا أمتلئ شفقة وأنا أراه يستعطفني بكافة الوسائل .. ويسترضيني بالعطايا .. ويعتذر عن أخطاء لم يرتكبها ولايعرف ماهي ..

كنت أود لو أهمس في أذنه:

يكفي يافرج أتركني لحالي.. لم يعد قلبي بيدي .. عصفورك الصغير اشتد عوده وسيطير من عشه... لم تعد من قوة في الدنيا قادرة على قصقصة أجنحته الصغيرة التي نمت ..

يحزنني حاله إذا طرق الباب طرقاته الثلاث الخفيفة المتفق عليها .. أفتح له فإذا أنا أمام وجهه المعروق وقد ترك ذقنه طويلة وعلى شفتيه ظلال ابتسامة .. فيقول :

شديّن .. أحبك .. والله أحبك يا بنت الناس ..

أغلق الباب في وجهه متذمرة من إلحاحة ومختلقة لنفسي الأعذار .. في المرة القادمة أكون ندمت على قسوتي فأهوّن عليه الأمر عساه يفهم :

فرج يا عيوني .. أنا ماكرهتك أبد .. بس اللي حنا نسويه غلط !

طبعا فرج لايجهلني .. هو يقرأ مافي نفسي بشفافيته التي أعرفها .. يدري أن مسائل الصح والخطأ والحلال والحرام لم تكن في أي يوم ذات شأن كبير في علاقتنا على الرغم من وخز الضمير الذي يراودنا من حين لآخر .. يجاوبني باستعطاف يقطع قلبي :

شدين والله أموت .. وراس أبوك أموت لو تركتيني ..

( 28 )

في حدود العاشرة من تلك الليلة حدث ما كنت أخشاه ...

كان فرج يدق الباب وقد تعتعه السكر الشديد:

شديّن.. أنا أحبك يا شديّن ..

تجاهلته لدقائق والارتباك قد شلّ حركتي .. لم يكن فرج سكيرا ولم يسبق وأتى لي في مثل هذه الحالة المزرية ..

كان من طبعه الحرص الشديد والكتمان .. لكن من الواضح أنه قد بدأ يدرك فعلا أن علاقتنا تلفظ أنفاسها الأخيرة وهذا أفقده عقله ..

فتحت له الباب فإذا هو جالس على العتبة ثوبه متسخ ورأسه عار .. خاطبته بصوت خافت:

فرج انت سكران هالحين .. تبي تفضحني عند أبوي .. والسبالة كلها .. رح تكفى

قال بنبرة أعلى وقد وقف دافعا الباب الذي كنت أمسكه:

منيب رايح .. افتحي ..

لم أجد أي حل سوى أن أدعه مكرهة يدخل.. قال يتعتع وهو يرمي بنفسه على الأرض:

لي خمسة أيام مارحت للشيوخ .. يبي يفصلون حبيبك.. مهوب حرام ؟!

لم أجد ما أقوله، ولم أشعر في هذه الدقائق تحديدا بأي تعاطف معه حتى لو أرسله الشيوخ خلف الشمس .. بل ربما حسنا فعلوا حتى أرتاح ..

كنت ناقمة عليه إذ يعرضني لخطر الفضيحة بهذا الفعل الأهوج .. أنا لا أريد أن أنتهي وسيرتي مضغة في أفواه طقاقات الرياض .. من يدري أو ربما انتهيت جارة لخيزرانة في حبس الحريم ..

تغلب خوفي على أي شعور آخر .. كنت قلقة من سكره الواضح وأخشى أن يفتضح أمرنا.. وفي نفس الوقت أعرف أنه ليس وقت أي نقاش أو اقناع .. لذا جلست قربه .. أمسكت برأسه وقبلته .. فابتسم مثل طفل وهو يلمس بيده مكان تقبيلي .. قلت له:

فرج يا حبيّب قلبي مهوب وقت حكي .. هالحين رح لبيتك .. سم بالله ونم .. وبكره العصر مرني نطلع ..

ابتسم قائلا:

زي زمان .. بس وعد ؟!

أمسكت بيده أنهضه وأنا أقول له: إيه وعد .. زي زمان.. بس هالحين رح بشويش وأنت ساكت ..!

شموع من ذهب
10-26-2010, 12:58 AM
( 29 )

جاء فرج بعد صلاة العصر مباشرة، كان حليقا، نظيفا، وليس كما رأيته البارحة مع أن السهاد قد زحف على وجهه وعينيه تاركا آثارا واضحة ..

كنت قد عقدت عزمي على ضرورة التحدث معه بصراحة وصرامة حتى أطوي هذه الصفحة من حياتي .. وللأبد

كان فرحا مستبشرا أو حاول أن يكون كذلك وهو يتحدث ويفتعل الطرافة والمزاح..

كان يكذب على نفسه أو يريد اقناعها بأن علاقتنا في أحسن حال، حتى أنه لم يأت على ذكر ليلة البارحة أو أي شيء يتعلق بالأزمة التي دخلتها قصتنا منذ وقت ..

سألني وهو يقود السيارة: عيوني .. نروح للبر ؟

سارعت برفض اقتراحه، فوجودنا معا منفردين كان أخر ما أريده من الدنيا في تلك الساعة، أخر ما أريد أن يحضنني أو يقبلني .. أو يمنحني الفرصة لأشمه ..

قلت محاولة أن أستجمع شجاعتي حتى أكاشفه بما في نفسي : فرج .. أنا مشتهية عسكريم !

كأنني بعبارته هذه أهديته الدنيا فرد والبهجة تطفح على وجهه: أبشري يا قلب فرج ..

أخذ قطعتين مثلجتين ووقف بالسيارة على جانب الطريق.. قلت له بغباء كل ما أريده في عبارة واحدة وكأني أقذف رصاصة في وجهه:

فرج .. حنا عشنا أيام حلوة .. والله ستر علينا بستره .. وأنت تعرف قدرك عندي .. بس خلاص معد هنا نصيب ..!

بمجرد أن أنهيت جملتي كان فرج قد تحول إلى شيطان صغير لم يسبق وأن رأيته أو عرفته ..

يبدو أنه في الأيام الماضية كان قادرا على التحمل واستدرار عطفي لأنه كان يتذبذب بين التصديق والتكذيب .. يسمع مني إشارات غير قاطعة .. يمني نفسه بأن مايراه مني شكلا من الدلال أو (التغلي) أو (الطفش) والملل .. سرعان ما سأعود بعده قطة صغيرة مضمونة بين أحضانه ..


لكن مايحدث الآن جعله يتأكد بأن علاقتنا قد أصبحت بقرار منفرد مني في مهب الريح إن لم تكن قد ذهبت مع هذه الريح إلى غير رجعة .. صرخ في محاولا أن يكتم صوته من أن يسترعي اهتمام أحد:

ماشا الله .. لاتحسبينك بنت شيوخ .. متى مابغيتي ختي فرج .. ومتى مابغيتي ذبيتيه .. راس مالك شايب مهذري وطق (ن) في العروس .. اسمعي ..

قاطعته قبل أن يسمعني باقي كلامه وقد شعرت بإهانة عميقة جدا ولم أعرف ماالداعي إلى حشر والدي بيننا سوى رغبته في مزيد من إيلامي:

أنا أخير من شيوخك يا عبد الشيوخ .. خلاص دخلنا بالمعروف ونطلع بالمعروف .. ترا محد (ن) شرا الثاني ..

اندلع البركان أكثر ملقيا بحممه القذرة في وجهي ..

طايحت (ن) لك على سمرمدي .. هاااه ؟!

لم أكن أعرف أن بإمكان فرج أن ينحط في شتمه لي إلى هذا المستوى .. واصل تجريحه وقد خنقني البكاء ولم أعد قادرة على مجاراته فالتزمت الصمت ..

أسمعني كلمات سباب سوقية بذيئة لم يسبق وسمعتها على لسانه .. أراد أن يجرحني في صميم أنوثتي وكرامتي .. كما لو كان شعوره بأنه يفقدني نهائيا قد أخرجه من عقله وجعله يملك هذه القدرة على إلحاق الأذى بي ..

انهمرت دموعي غزيرة وأنا أنزل من سيارته وأمشي مسرعة على قدمي نحو الشارع الرئيسي مخلفة كل شيء ورائي ..

كان يؤلمني أن أسمع ماقاله فرج .. وكان يؤلمني أكثر أن تنتهي علاقتنا بهذا الشكل ..

كنت أتمنى لو انتهينا بالتراضي وبأن يتمنى كل واحد منا للآخر حياة جميلة .. كنت أتمنى لو أمسكني من شعري وضربني أو فعل أي شيء آخر ولم يجرحني كما فعل ..

ارتفعت أصوات المؤذنين لصلاة المغرب وأنا أمشي على قدمي ..

كانت الدنيا في هذه اللحظات قد ضاقت علي حتى أصبحت مثل خرم أبرة صدئة .. حتى الفقراء يجرحون الفقراء ويلقون (الزبالة) في وجوههم .. شعرت بأنني لاشيء .. بأنني لا اساوي شيئا وبأنني (مداس) حتى لمن منحته الحب الصافي مخاطرة بحياتي في مدينة مثل الرياض ..

دسست يدي قي جيبي وأخرجت ورقة مروان الصغيرة .. هكذا بدون تفكير أو تخطيط قررت أن أركب أول سيارة إليه ..

( 30 )
قرأت (الكارت) بعيني الغائمتين :

مروان محمد العقاد
مدير عام مؤسسة العقاد للتجارة والمقاولات
عليشة . عمارة زهرة السلام _ الطابق الأول
هاتف 55345

قلت للسائق بصوت متحشرج أن يأخذني إلى هناك. وفي الطريق داهمتني الهواجس..

أي جنون تراني أفعله؟ وكيف أذهب له ؟ ولماذا أذهب؟ وكيف سأبرر له قدومي؟ وكيف سيفسر مجيئي ؟ وهل سأجده في هذا الوقت ؟ وهل سيدخلونني أصلا ؟

أخذتني الأفكار في كل صوب وفكرت في أن أغير رأيي وأذهب لبيتنا واختفي تحت فراشي حيث لايراني أحد.

لكن قلت لنفسي : لا .. لن أتراجع .. يجب علي أن أفعل الآن شيئا وإلا قتلني النكد والألم ..

هل كنت أنتقم لذاتي الجريحة ؟

ربما .. لا أعرف .. قد تكون سخرية فرج الجارحة من (بنت الشيوخ) قد عجلت بذهابي لمروان لكنني في كل الأحوال كنت سأذهب .. كنت سأجرب .. كنت سأدخل دنيا أخرى .. واقترب من جسد آخر .. وأتذوق مشاعر أخرى ..

ربما أيضا كان هذا الشيء الآخر أو المختلف هو مايجذب مروان لفتاة أعراس فقيرة .. نصف متعلمة ..

قلت أحدث نفسي : مغامرة صغيرة لن تفسد نظام الكون ولن تأتي بأجلي.

بل مهما كان ماسيحدث معي في عمارة زهرة السلام هذه فإنه لن يكون أشنع مما حدث مع فرج قبل قليل ..

لكن من قال إن هذا الفلسطيني سيتذكرني ؟ أو سيتوقعني ؟ أو يريدني؟

عاد الصوت في داخلي : إذا لم قدم لطين السبالة بنفسه؟ لم طرق باب بيتنا؟ لم أعطاني هذه الورقة التي تجرني لمصيري؟ لم أطال الوقوف معي ؟ لم أكلني بعينيه حين كنا نقف على رخام بيتهم؟

حسنا أنا أصلا ماذا أريد منه أو أتوقع .. ؟

لم تكن لدي إجابة على أي سؤال .. وكل سؤال كان ينشق عن سؤال آخر ليوقعني صريعة حيرتي وجرحي ..

وفي اللحظة التي أشار فيها السائق لبناية كبيرة من ثلاثة طوابق، وددت لو ابتلعتني الأرض، وبدأت كل خلية فيّ ترتجف رهبة ..


( 31 )

مشيت ببطء نحو مدخل العمارة وكأنني أستبقي الوقت .. دخلت فإذا أنا أمام باب زجاجي مقسم إلى مربعات ملونة بالأخضر والأحمر ..

رفعت الشيلة الخفيفة عن وجهي .. وأنا ادفع الباب بترقب ..

وجدت نفسي أمام ردهة صغيرة يتوسطها رجل متوسط في العمر خلف مكتبه. رفع عينيه قائلا:

أي خدمة ؟!

مشيت نحوه وسلمته الكارت الصغير الذي تعرّق في يدي دون أن أنبس بكلمة..

تأملني بعينيه الفاحصتين وهو يقول:

الأستاذ مروان معو مندوب لشركة بس يطلع تدخلي .. استريحي ..

تنفست الصعداء لأنني سألتقط أنفاسي قبل الوقوف بين يديه ..

جلست أتأمل في الصورة المعلقة في الحائط أمامي وأنتظر ..

بعد ربع ساعة تقريبا تناهى إلى سمعنا صوت باب يفتح ويغلق ثم سلام وتوديع .. قام الرجل من مكتبه وهو يقول مناديا:

مروان بيك فيه (جماعة) يستنوك ..

دخل مروان مباشرة ليرى الذي ينتظره .. فإذا أنا واقفة عن يمينه وكل من في العمارة كأنه يسمع ضربات قلبي:

ما إن وقعت عينه عليّ حتى قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة:

ياهلا والله .. يامية هلا .. تفضلي ..

أشار بيده حتى أتقدم ففعلت مع أنني كنت خجلة جدا كونه يمشي خلفي بخطوة .. دخلنا مكتبه الباذخ والمؤثث تأثيثا ملفتا في أناقته.

لم يأخذ مكانه خلف مكتبه بل أجلسني وجلس في مقابلي على مقعدين جلديين أسودين كانا في زاوية تزينها طاولة صفت عليها صور عائلية لآل عقاد :

قال بصوت منخفض وكأنه يفشي سرا بينما هو ينحني مقربا وجهه مني:

شاي ولا عصير .. ؟!

تنفست الصعداء للمرة الثانية فهو لم يستغرب مجيئي وأعفاني من مهمة التعليل أو خلق المبرارات..

مع ذلك قلت له بارتباك واضح وسذاجة متناهية وكأنني أشرح سبب قدومي الذي لم يطلبه:

والله لقيت صدري ضايق بالحيل .. و .. ومدري .. جيت ..

ضحك بعذوبة وهو يرد كلامي نفسه محاولا تقليد لهجتي :

والله .. والله لقيتو ضايق صدري وجيت ..!

قبل أن أستفيق من استغرابي من جرأته هذه .. قال بلهجة مهجنة بين الفلسطينية والسعودية والسورية .. وبحنان ذبحني من الوريد إلى الوريد:

شادية .. شوفي .. شو ما كان السبب اللي جابك لمكتبي .. افهمي حاجة وحده .. أنتي عجبتيني من أول مره شفتك .. أنا مابعرف أكذب ولا ألف وأدور ..

رقص الفرح في دمي .. شعرت بأنه يداوي جرح فرج الطري وسخريته المرّة ..

تابع يسألني وبجرأة شديدة تصل حد التبجح:

شادية .. شو أنا ما بعجبك ..؟!

كيف أرد على هذا المجنون وبماذا أجيبه .. قلت له أتصنّع الغضب لنفسي أو كرامتي وأنا أقوم وأسوي عباءتي استعداد للخروج:

بس مهوب كلش (ن) يشرى بالأريل ..

اقترب مني بكل عفوية وكأنه يمارس فعلا عاديا أو حقا مشروعا وطبع قبلة على خدي قائلا :

كنوز هالدنيا كلها ماتشتري شعرة وحده من راسك..

أفاقت الأنثى جامحة في داخلي ..

وتمنيت في تلك الدقيقة لو أخذني هذا الرجل غصبا بين ذراعيه ..

( 32 )

سيكون مروان الحد الفاصل بين عالمين أو حياتين أو تجربتين ..

هذا ماقلته لنفسي وأنا أفتش في دولابي الصغير ذي الذرفتين وأنثر ثيابي القديمة فلا أجد بينها ما يرضيني ..

ذهبت بعد العصر إلى السوق .. أنفقت معظم نصيبي من مال سيدة آل عقاد في شراء الثياب الجاهزة والأحذية الجلدية ..

كان ذوقي قرويا يركز على الألوان الفاقعة والقصات المزركشة ..

اشتريت قارورة عطر .. وشيلة .. وعباءة .. وحقيبة يد بلاستيكية سوداء تبرق ..

وبعد تردد قليل قررت أن (المكحلة) و( البودر ) وحدهما لايكفيان .. فأنا أحتاج علبة مكياج .. اشتريت واحدة رخيصة بعد مفاصلة طويلة مع البائع (الزيدي) الذي تعمد لمس يدي أكثر من مرة ..

بعد المغرب ذهبت إلى البندري في بيتها .. في طريقي مرّ بي الأسود الطويل .. حمد العبيد على دباب (الهوندا) .. أسرعت في مشيي خائفة مع أني أعلم أن هواه مع (البزران) ..

طلبت من البندري أن تقص شعري الطويل .. أردته تحت أذنّي بقليل كما رأيت معظم النساء اللواتي سرقن لبي في قصر الآغا.

حسنا والدي (مايشوف) بالتالي فلن يعرف هذه ا(الخطيئة) ..

فجعت البندري حين سمعت طلبي وكأني كفرت، أو جحدت نعمة ربي، غير أنها رضخت في النهاية وهي تتحسر ..

وقفت طويلا طويلا أمام المرآة المسندة في باحة البيت أجرب ثيابي الجديدة .وأبي في عالمه الطيب .. يستمع إلى الراديو ويسبح ويهلل ..

ألبس هذا وأخلع ذاك..

أجلس وأقف وأدور ..

أتيت بصندوق خشبي وجلست عليه كما لو كان كرسيا .. وضعت رجلا على رجلا .. ورميت بخصلة من شعري القصير على عيني ..

هكذا هن النساء الجميلات .. ماذا أفرق عنهن .. لاشيء .. بل أنا أصبا وأشهى ..

رفعت فستاني إلى ركبتي .. نظرت إلى ساقيّ باعجاب وأنا لا أزال أضع رجلا على رجل ..

خطرت في بالي فكرة .. فتناولت المقص وقصصت الفستان الأحمر .. الذي كان أول فستان قصير مثير أرتديه في حياتي ..

ثم قلت في نفسي: آآآه سيطير عقل مروان ..
( 33 )

كاد قلبي ينفطر حين سمعت منبه فرج في الصباح الباكر من تلك الجمعة، فلم أره ولم أسمع منه منذ ثلاثة أسابيع .. منذ نزلت ذلك المساء من سيارته أهرول مجروحة باكية ..

لكن كان لدي يقينا قويا بأنه سيأتي في أول جمعة من الشهر ليوصل أبي للخرج، وأنه لن يقطع عادته فجأة .. فلا أحد يعرف فرج وقلب فرج أكثر مني .. لذلك فإني قد رتبت أمري مع مروان منذ يوم الأربعاء ..

كنت أداري انقباضي وأنا أرقب أبي ينزل من العتبة .. أشعر بألم من فرج وألم عليه .. لمحته من الخلف .. فقد كان مصوبا وجهه نحو سيارته حتى لاينظر إلى الباب أو يلمحني وكأنه قد قرر أن يعطي ظهره لقلبه وذاكرته . زال انقباضي سريعا .. إن الفتى الطائر يشفى ويتعافى وينساني ..

الأيام كفيلة بمداوة جرحه ..

دخلت الحمام واغتسلت بالسطل من المياه الدافئة ومروان يرف أمام عيني. سيأتي بسيارته ليأخذني بعد صلاة العصر مباشرة مما جعل أنفاسي تتلاحق وأعصابي تتوتر كلما قترب الموعد ..

لبست فستانا بلون أخضر فاتح من الثياب التي اشتريتها مؤخرا ..
ووضعت على وجهي طبقة ثقيلة من المكياج وتبودرت بطلاء أحمر براق ..
ثم جلست أنتظر وكل خلية فيّ تنتفض ..

ركبت إلى جواره، وما ان خرجنا من حواري السبالة الضيقة حتى قبل يدي وهو يتمتم بكلمات حب، فشعرت بأني أميرة، قال:

بدنا ناخذ أكل خفيف .. ساندوتش يعني .. وبعدين طيران بحبيبة قلبي عل العش الهادي ..

لم أكن أدري عن أي عش هادئ يتحدث .. لكن هل كنت أحلم .. هل سأفيق وأنا بين يدي فرج نشرب الشاي تحت ديراب.. أو مع البنات في عرس بإحدى الحواري القديمة ..

عيني لم تنزل دقيقة عن يده الناعمة المشربة بحمرة وهي تحيط بمقود السيارة .. هل سيلمسني بهذه الأصابع ..؟! هل سيطوق خصري بهاتين اليدين ..؟!
وكنت أختلس النظر إلى رجليه الطويلتين .. بنطلون الجينز الفاتح .. والصندل المصنوع من الجلد البني الداكن ..

قطع حبل أفكاري وهو يسأل:
شادية .. كم عمرك ؟
كدت أقول ماقصة الفلسطينيين مع الأعمار .. لم هي أول مايسألون عنه .. لكني أجبته:
واحد وعشرين ..
ابتسم وهو يلتفت علي ويقبل يدي ثانية:
فرفورة ياقلبي .. أنا ست وعشرين ..

سكتنا ثم قال ونحن ندخل في شارع (العصارات) الحافل بالمطاعم الصغيرة ومحلات العصائر واستعراضات أولاد الذوات بسياراتهم الفارهة:

عارفة يا شادية .. أنا شو قد بكره هذا العالم .. الناس هون مزيفين .. كذابين .. فارغين من جوه ..

لم أعرف لماذا يصف هؤلاء الناس بالكذابين المزيفين ..

تابع مشيرا بيده نحو أحد الشباب المتكئ على سيارته الفيراري مسبلا شعره ويدخن:

يا لله تطلعي .. عبدالقادر الحريري هذا كل يوم جايب سيارة يوريها للعالم ..

لم يجد عندي أية تعليقات مناسبة فلم أكن أدري كيف ينبغي أن أرد .. وفي الأصل كنت منبهرة بما أراه للمرة الأولى .. أشكال الشباب وأرتال السيارات .. قال وهو يفتح الباب خارجا:

تاخذي ساندوتش معين .. ولا على ذوقي ؟!

أدركتني رحمة الله أو أنجدني هو .. فلم أكن أعرف ماذا أشتهي أو ماذا (يخبزون) في هذا الشارع فقلت:
أي شي .. على ذوقك ..
عشر دقائق ثم عاد بالساندوتشات والعصير ..

انطلقنا بالسيارة .. وبعد بضع دقائق أخرى توقف فجأة في طريق هادئ ..
فاجأني لدرجة خطفت لوني وعقدت لساني .. تناول منديلا وانحنى علي حتى شممت رائحته الزكية .. بدأ يمسح (البودر) الثقيل عن شفتي .. ويقول :
حبيبة مروان .. أنا بكره المكياج لما يكون هيك ..

ارتعشت شفتيّ خجلا ورهبة ..
أما هو فكان واثقا من نفسه كأنه لم يفعل شيئا .. انطلق بسرعة جنونية وصوت المسجل يهدر بأغنية انكليزية صاخبة ..

شموع من ذهب
10-26-2010, 01:00 AM
( 34 )

حين سمع (الصبي) منبه السيارة فتح باب (القراش) ..
أنزلني مروان من السيارة وهو يطوقني أمام الفتى الذي لم يتجاوز السابعة عشرة .. كانت فيلا في شارع جرير ذات حديقة صغيرة وتنظيم وأثاث جميل ..

دخلنا والفتى يتبعنا ويقول:
وش أصلح لكم يا عم ؟
أجابه مروان بما صدمني:
لاتعمل شي .. شاي بس .. مصطفى بيك جاي وجايب معه عشا ..

تحول ارتباكي إلى رعب حقيقي .. ماذا أتى بي إلى هنا ..؟! بالكاد أعرف مروان هذا فكيف وثقت به إلى حد الخروج معه؟ هاهو يعزم شيخا داعرا ؟ هل تراه يظنني رخيصة إلى تلك الدرجة ..

وأنا أخلع العباءة واقفة في الصالة فطن مروان لوجهي وكأنه قرأ هواجسي .. دنا مني .. احتضنني وهو يقول:

من شو قلقانة .. ؟!

أجبته ببراءة متناهية وأنا أخلص نفسي منه:

ليش عازم (ن) قريبك ؟

انفجر ضاحكا :

وحياة الله مش أنا اللي عازمة .. هو اللي عازمني ..

لاحظ حيرتي .. فقال وهو يجلسني على كنبة واسعة ويجلس بقربي :

هاي فيلا لمصطفى النمر .. إطّمني .. كل شي في السليم ..

قمت حانقة :

أنت وش حاسبني .. أنا محد(ن) قالي إن الفلسطينيين قليلين حيا ..

ضحك وهو يشدني من يدي حتى يستبقيني:

أنا سعودي غصب (ن) عن اللي خلفوكي .. يامجنونة مصطفى مش جاي هلا .. جاي بالليل ومعو صاحبته ..

جلست ورأسي يدور .. فتابع وهو يضحك خاطفا قبلة عجلى من فمي :

وصاحبته سعودية ميه بالمية مش زي بعض الناس.. أصلوا كلنا بنحب الدم الساخن !

( 35 )

غرقنا في المشاعر الروحية والجسدية .. فجر مروان فيّ ينبوع الحياة .. عرفت منذ تلك الأمسية أنني أدخل في حب جارف .. لم أعد مترددة أو حائرة تجاه هذه القصة .. ففي تلك اللحظات الحميمة التي جعلني فيها مروان (ألمس غيوم السماء) للمرة الأولى في حياتي أيقنت بأن فتنة هذا الشاب أقوى من احتمالي أو مقاومتي ..

في حدود الثامنة سمعنا جلبة (باب القراش) يفتحه (الصبي) .. دقائق وكان مصطفى يدخل علينا مع صاحبته .. قال وهو يصافحني بحرارة صاحب البيت:

أنا دايما بقول هذا الولد الشيوعي محظوظ ..!

كانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة شيوعي .. لم أفهم منها شيئا وإن كنت شعرت بأنه يمتدح حظ مروان في البنات ..

لكن تلك الكلمة كانت فاتحة لأسمع في هذه الفيلا فيما بعد عشرات التوصيفات والنقاشات السياسية الحامية عن نكسة حزيران والقضية الفلسطينية وجمال عبد الناصر وأمريكا والاتحاد السوفييتي وسياسة الملك فيصل .. وغيرها من المجادلات التي فتحت عيني تدريجيا على العالم من حولي ..

(جواهر) صديقة مصطفى في أواسط الثلاثينات، كانت قد تلقت تعليمها في لبنان، وهي سليلة أسرة نجدية أرستقراطية، ومطلقة منذ بضع سنوات..

حينما دخلت ونظرت لها بطرف عيني شعرت براحة تعرفها النساء. لاشك أنها أنيقة ومثيرة في فستانها الذي يعلو ركبتيها بقليل.. ولكني أجمل منها .. لكن المريح فعلا أنها كانت على سجيتها ولم تكن منفوخة أو متعالية، وأظهرت نحوي قدرا من الود.

ومثلما كانت المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة شيوعي فقد كانت المرة الأولى التي أرى فيها زجاجات ويسكي وكان ذلك على العشاء ..

وحيث كانت لدي مشكلة حقيقية في الأكل بالشوكة والسكين فقد اكتفيت بأكل الفاكهة .. ثم ارتشفت قليلا من الويسكي تحت إلحاح مروان وأنا أخفي شعوري بأن النار تكوي حلقي ..

بعد العشاء جلسنا نحن الأربعة في الصالون .. جاء الصبي بالقهوة التركية التي لم أستسغ طعمها ..

ولم أستسغ أيضا حكاية الاحتضان والتقبيل العلني .. فمروان قد مد ساقه على فخذي وبدأ يثرثر في مشاريعه .. وجواهر تميل على مصطفى بين لحظة وأخرى توشوشه وتقبله ..

(36)


قال مصطفى حين انحرف الحديث بعيدا عن المشاريع والمقاولات ..

إذا ماتكون الرياض زيها زي عمّان أو بيروت في العشر سنين الجايين مابكون مصطفى ..

حين بدأت أتلمس طريقي الشاق في فهم مناقشاتهم، عرفت فيما بعد أن المهندس مصطفى النمر كان يرقب متفائلا التغيرات الاجتماعية ويحلم بتوسيع امبراطوريته المالية عن طريق المشاريع الفنية والترفيهية بما في ذلك المسارح والنوادي الليلية..

لم تكن في رأسي أية صورة ذهنية عن عمّان أو بيروت التي ستصير الرياض مثلها .. لكن فكرتي البريئة والطريفة التي ستلازمني لوقت أن هذه المدن تشبه مروان في نظافتها ورونقها وجمالها ودفئها ..


أفشيت بعد أيام سري للبندري .. ولها وحدها .. فلم تكن لي ثقة في غيرها .. فعلت ذلك محتملة تأنيبها ولومها .. لأني كنت أعرف أني سأحتاج لها كثيرا حتى (تغطي) عليّ أمام أبي ..

قلت لها ونحن نشرب الشاي جلوسا في ديوانية بيتنا مع أن المسؤولة ليست بأعلم من السائلة:

وشلون ألبس وأحكي مثل ذولاك .. تكفين يا البندري وشلون أصير مثلهم؟!

لم تسأل البندري من هم (ذولاك) فمد لول الكلمة عندها هو مدلوله عندي .. طبقة وثقافة وفئة من الناس لاتمت لنا بأدنى صلة .. لكن الشوق يحرقنا لهم ..

لم تنبس ببنت شفة .. بل بدأت ترشف الشاهي وكأنها لم تسمعني .. تجاهلت تجاهلها وسألتها عن شيء آخر :

طيب .. تهقين يا البندري إنه يحبني صدق ؟

ردت على سؤالي بمعلومة انتشرت في وسط الرياض مثل النار في الهشيم:

يقولون إن العبد الأسود اللي ينط على السطوح متفصخ وداهن روحه بزيت حتى مايقوى أحد (ن) يمسكه ..

حنقت عليها لأنها تخترق جدار أحلامي الجميلة بقصصها السخيفة عن جرائم السطوح ، فقلت وأنا أرفع الأبريق إلى المطبخ متباهية بمعرفتي الجديدة :

الرياض تبي تصير مثل لبنان .. وأنتي إلى هالحين تخرطين في (العبيد ) ..!

(37)


في المساء طلعت كعادتي في ليالي الصيف إلى (العلية) أرشها بالماء وأمد فراش أبي وأضع (غضارة) الشرب قرب رأسه.

شعرت بدفء يده المرقطة بالبقع البنية ونحن نرتقي الدرج بعد صلاة العشاء..

ليتني أستطيع أن أفتح له صدري المثقل بالهموم والأسئلة والقلق. أو ليت أمي كانت موجودة. أو ليت لي أختا أو عمة. قلت له:
يبه .. عندي شوية قروش وودي نشتري تلفزيون ..

ضحك حتى بانت أسنانه المثلومة:
يقولون إنه تلف عيون يا شديّن .. بس ميخالف وصي فرج يشتريه..

كان زوج نورة قد اشترى تلفزيونا منذ عاد من رحلته إلى البحرين، وبدأت تحدثنا وهي مستثارة عن المسلسلات اللبنانية والمصرية والأخبار والمطربات والمذيعين..

فقلت لأبي ملمحة إلى أن فرج لن يستمر هو ذات فرج:
لا .. فرج لاه (ن) عنا .. زاد شغله مع الشيوخ .. أبوصي نورة توصي رجلها ..

أدخل التلفزيون الصغير في حياتي ثورة عظيمة، فبدأت أستوحي من المسلسلات اللبنانية والمصرية طريقة اللباس وعقص الشعر وأساليب الكلام وطريقة الأكل.

كانت الممثلة اللبنانية نهى الخطيب تعجبني كثيرا. كنت أموت شوقا وولها وأنا أتفرج على المواقف الرومانسية التي تجمعها بإنطوان كرباج .. كانت دائما واثقة متمنعة ، مغرية بلا أغراء فاضح، لطالما قلت: هكذا يجب أن أكون مع مروان ..

أقف أمام المرآة وأقارن جسدي النحيل بجسدها النحيل وشعري الناعم القصير بشعرها الناعم القصير وأبتسم فخرا.

أدركت أن الفساتين الجاهزة التي بدأت حديثا في شرائها ليست جميلة ولا على الموضة ولاتشبه ثياب نهى الخطيب ولاهند أبي اللمع .. فعدت إلى شراء قطع القماش، لكن كنت أرسم الفستان أو التنورة من وحي ما أراه على التلفزيون ثم أقف على رأس أم جابر وهي تقص وتخيط ..

أدمن أبي على صوت أم كلثوم وبدأ يقول: هاذي مهيب من الناس ..!

وادمنت معه على متابعة مسلسل لعبدالمجيد مجذوب. كنا نجلس ولايفصلنا عن التلفزيون سوى شبرين هو يسمع وأنا أسمع وأرى .. وأصف له بعض المشاهد الضرورية.. ذات يوم سألني على استحياء :

أوصفي لي يا شديّن ذا الحريم .. هن زينات !

كنت أود لو انشق قلبي عما فيه .. أبي يا مسكين إن كل شيء أبعد من هذا الطين (أزين) وأنقى وأحلى .. لكني ضحكت وبادرت سؤاله بسؤال أضحكه هو أيضا:

يبه .. إنت فيك شدّة تنشد عن الحريم ؟!

(38)

سألتني نورة وهي تصب الكلام في أذني حتى لايسمع زوجها:

شفتي ذاك المزيون اللي يقرأ الأخبار .. غالب كامل ..

كان أيضا قد لفت انتباهي .. تابعت وهي تبعد عني متحدثة بصوت عادي وقد انتهى السر:

تراه فلسطيني ..

أوشكت أن ألقمها حجرا وأقول عبارة مروان:

سعودي غصب (ن) عن اللي خلفوكي ..

لكن هذا لم يحدث .. وبدلا منه قلت:

ودي أشتري أغاني لعبدالحليم حافظ .. ياختي ذا المغني بدا (يصيحني) ..

قاد التلفزيون الصغير أيضا بلونيه الأبيض والأسود الثورة الجديدة في حياتي التي غيرت ذوقي وأرهفت شعوري تدريجيا ..

لقد وقعت أسيرة التعلق الروحي بعبدالحليم رغم قلة مايعرض التلفزيون من أغنياته.

وحين كان مروان يعطيني أعدادا من مجلة الكواكب المصرية أتسلى بها كانت تهمني الفساتين والتسريحات ثم أخبار عبدالحليم ..

تابعت على صفحاتها بألم حلقات عن خيبات حليم العاطفية، كنت أقرأ بحرقة حتى بلغت عشقه اليائس لزوجة الدبلوماسي الكبير التي قابلها على شاطئ الاسكندرية وفتنته فإذا بحرقتي تتحول إلى بكاء مكتوم .. بينما أسترجع في ذهني نغمة صوته الحزين:
زي الهواء ياحبيبي زي الهوا .. وآه من الهوا ياحبيبي أه من الهوا
وخذتني من إيدي ياحبيبي ومشينا .. تحت القمر غنينا وسهرنا وحكينا
وفي عز الكلام سكت الكلام ..وأتاريني ماسك الهوا بإيديه

لم أكن سابقا أستمع أو أطرب أو أغني في الأعراس سوى الأغنيات الشعبية الخليجية ذات الايقاعات الراقصة أو العالية، وفي أعراس نادرة حين كان مستوى الناس راق بالمعايير النسبية لذلك الوقت كنت أدخل بين أغنية وأخري القليل الذي أعرفه من الأغاني العربية الخفيفة لصباح او عفاف راضي..

فريد الأطرش الذي عرفته وسمعته من خلال فرج الذي كان مهووسا به كإعادة انتاج لهوس عمته لم يرق لي أبدا .. بل كان يضجرني ويثقل على مسمعي، فأحتمله مجاملة لذاك الفتى الطائر ..

عصر ذلك اليوم ذهبت مع نورة لمحل الأشرطة الواقع في سويقة بجانب محلات قماش الغنام..

كان المحل أشبه بفتحة صغيرة تخرج منها طاولة يقف خلفها أحد اليمنيين الذي لديه مسجلات وأشرطة جاهزة للنسخ. قلت له :

أبي خمس أغاني لعبدالحليم ..

لم أحدد وهو لم يسأل .. وأثناء النسخ، صاحت البندري .. كان أحد الرجال قد مرّ من خلفها وقرص مؤخرتها أو فعل أكثر .. ثم ركض مسرعا وبشته الداكن يكاد يقع من على كتفيه..

وبدلا من أن تركض خلفه وتأخذ حقها منه، انقلبت علي أمام البائع:

هذا اللي خذناه من وقفتنا الشينة قدام هالمحل الشين .. حسبونا من إياهم !

كنت مصدومة من ردة فعلها ورغم أني أعرف الاهانة التي تشعر بها في هذا الموقف إلا أني لم أجد لها تبريرا ولا عذرا، فلم يكن لي أي ذنب..

دفعت الحساب الذي طلبه الشاب مني بدون مفاصلة وغادرت معها صامتة ..

ومع بساطة الحدث إلا أن تأثيره فيّ لم يكن كذلك..

لقد بدأت مؤخرا أشعر باغتراب يتزايد حين أكون برفقة واحدة منهن .. رغم أنهن ذات الفتيات اللواتي عرفتهن وعملت معهن ولطالما غنينا وسهرنا وضحكنا معا ..

لم أعد أفهمهن أو أنهن لم يعدن يفهمنني..

كان هناك شيئا أشبه بالشرخ أو الكسر الذي سيبدأ في علاقتنا ثم يتدرج مع الوقت حتى يصبح مقاوما لأي ترميم..

أنا كنت أتغير تدريجيا .. بينما هن ثابتات في ذات المكان والزمان والشعور.

شموع من ذهب
10-26-2010, 01:03 AM
( 39 )

الأعراس كانت وسيلة رزق وتسلية .. كما كانت أيضا مكانا مثاليا لتسقط الأخبار الجديدة أو رؤية طقوس فرح غير معتادة..

أحيينا في تلك الليلة عرسا صغيرا لأسرة عتيبية .. والمريح في أعراس البسطاء أننا لانحتمل أعباء نفسية في التفكير بها أو الإعداد لها..

فغالبا ما كنت أنشغل طوال النهار بالجلوس مع الشايب أمام التلفزيون .. فإذا جاء المغرب تلاقيت مع البنات، وسرنا لوجهتنا .. بدون استعداد يذكر .. نؤمل أنفسنا بليلة مفرحة .. وبوجود فتيات عديدات مستعدات للرقص .. لأن ذلك يحمسنا ويساعد على انجاح مهمتنا.. أما إن حدث العكس فغالبا ما يحمل (الطق) جزءا من مشكلة لادخل له فيها ..

وحين لايتوافر لأي سبب العدد الكافي من القادرات على الرقص فإن العرس يستمر باردا وسط نداءات متكررة مني أو من والدة أحد العريسين للجالسات على الأرض في شكل خطوط مستقيمة أو دوائر بأن يتقدمن ويظهرن مهاراتهن ..

وغالبا مانرى إحدى قريبات العروس كأختها مثلا وهي تجر فتاة بيدها إلى دائرتنا تحت عبارات الترغيب والمديح .. وتلك خجلة تردد الجملة التي حفظناها ظهرا عن قلب:

معرف أرقص .. والله منيب رقاصة..

في أعراس قليلة قد تتطوع إحدانا فتترك الطار وترقص (شوطا) على سبيل (الفزعة) أو بث جو من الحماس والجرأة يساعد الفتيات الخجولات على الرقص ..

أجرتنا كنا نأخذها بإحدى طريقتين .. إما أن والدة العروس (تتقاطع) معنا قبل العرس على سعر معين ..

وإما أن تكون أجرتنا على كل شوط منفرد .. وفي هذه الحالة فإن الراقصة تحذف علينا مبلغا صغيرا وهي تتقدم للرقص .. أو تقوم والدة العروس بحذف المبلغ الصغير نيابة عنها ..

الرقص قد يكون منفردا من فتاة أو امرأة واحدة ..

وقد يكون على شكل أزواج .. اثنتين اثنتين ..

وقديكون جماعيا وهو الأسوأ .. وفي هذه الحالة الأخيرة تمتلىء الدائرة التي تتشكل من تحلقنا حول بعضنا بخمس أو سبع راقصات .. وتجد الخجولات أو غير المميزات في الرقص أو غير الجميلات أن هذا هو الأسلوب الأنسب لهن لأنه لايركز الأنظار عليهن..

الرقص الزوجي أو رقص الاثنتين كان في بعض الأحيان يشي للعين المدربة منّا بطبيعة العلاقة الخاصة التي تربط بين الفتاتين الراقصتين ..

ومع أن مثل هذه العلاقات سريّة تماما .. إلا أن الطار كان قادرا على تسريب شيء من الخصوصية، بالذات حين يكون الطرب قد أخذ الناس إلى سماواته العالية .. فتظهر بعض الحركات اللاإرادية مثل الاقتراب الجسدي الشديد .. أو تقريب الوجه من الوجه بشكل ملفت .. أو تطويق الخصر مع نظرات عيون تكشف مكنون ذاتها ..


(40)

عرس العتبان في تلك الليلة كان مناسبة لتحصيل مبالغ مالية جيدة أبهجتنا، ذلك لأن لنسائهم طريقة فريدة في تقديم المال قبل الرقص، فهن لايحذفنه علينا في حركة سريعة مثل نساء الحضر وكأنهن يخفينه وهن بالفعل يخفينه فلا تميز غالبا باقي النساء المبلغ المحذوف .. بل كانت العتيبية تحمل الورقة النقدية وترفعها عاليا بيدها وهي ترقص حتى ترى أغلب الحاضرات الورقة أو الأوراق النقدية المرفوعة .. أو تربط الورقة النقدية بالحزام الذي يحيط بخصرها .. فكانت هذه فرصة طيبة لـ (التفاخر) بينهن ولمزيد من الكسب بالنسبة لنا ..

أنتهينا من الطق في حدود الحادية عشرة حين نودي بالنساء أن يدخلن على العشاء الذي قام الرجال منه لتوهم ..

أتوا لنا كالعادة بـ (تبسي)، فتحلقنا حوله .. وهنا بدأ العرس يلعب دوره كوكالة أخبار غير رسمية .. وسوالف نساء قليلات بقين قريبات منا صارت مسموعة تماما وقد خفّ الضجيج كثيرا ..

بدأنا نأكل صامتات على غير عادتنا وكأننا نتواطئ على سماع حديث النساء الذي كان ملفتا في قصته الغريبة .. تلك القصة المتماسكة التي سمعتها بعد ذلك في زوايا الثرثرة بمدينة الرياض بروايات مختلفة .. إنما بنهاية مفجعة واحدة ..

لا أظن بأن الحكاية أحدثت في نفوس البنات تلك الليلة أكثر مما تحدثه في العادة قصص الحوادث والغرائب ..

أما أنا فقد علقت في ذهني لأيام وليال قادمة كثيرة صورة الشاب .. ابن الموظف الرسمي الكبير .. وقد خنق غيلة وألقي في عمق (قليب) جراء حبه لفتاة من (فتيات القصور) ..

كنت أحاول أن أطرد الصورة فلا أستطيع حتى يغالبني النعاس ..

كان شعوري مزيجا من العطف والخوف والحيرة ..

كأن السماء ترسل إلينا إشاراتها بالنهايات العنيفة عقابا على كل خفقة قلب .. أو ارتعاشة شفه .. أو لمسة ذوبها العشق ..

نبكي قصص الغرباء ونهاياتهم .. لكننا في واقع الحال نبكي قصصنا الشخصية .. التي نقلبها بين أصابعنا مثل الجمر يحرق جوانحنا في أرض قاسية صلدة ..

أحيانا كان خيالي يصنع قصته .. فأرى الفتاة وحبيبها يتعانقان تحت ظلال شجرة في حديقة واسعة غناء .. خرير الماء وحفيف الشجر وأصوات الطيور .. ثم تنقلب الصورة إلى رجل أسود طويل يشبه (جرس) يهشم رأس الشاب بفأس أو عقب بندقية ..

(41)


أعطاني مروان ذلك المساء الهدية التي أعتبرتها في ذلك الحين هي الأغرب على الاطلاق .. ثلاث روايات .. الأولى عنوانها .. (جولييت فوق سطح القمر) .. والثانية (غصن الزيتون ).. والثالثة (شجرة اللبلاب) .. وكلها كتب عليها اسم واحد .. محمد عبد الحليم عبدالله ..

قال وهو يقبلني قي عنقي ويحيطني بذراعيه:

حبيبتي هاذي قصص سهلة وحلوة .. المؤلف مات الله يرحمه من سنتين .. ضروري تقري حياتي .. يمكن ماتحبي في الأول .. بس شوي شوي ..

أخذتها مجاملة وكأني أتصورها ستنتهي ملقاة في زاوية من الدار .. وصوت ساخر قفز في رأسي:

وشلون يقول حبيبتي ويعطيني قصص بس ..

كانت هذه هي أول كتب أمسكها بيدي خارج شخبطات سنوات الدراسة الأولى ..

لكن المفاجأة التي لم أتوقعها وربما لم يتوقعها مروان نفسه وجاءت لتكشف لي مجهول نفسي أن محمد عبد الحليم عبد الله بلغته الصافية ورومانسيته الفائقة أوقعني مرة واحدة أسيرة عشقه .. ومن ثم أسيرة كل القصص الانسانية المشرقة ..

هل أقول اليوم بأن الروايات العربية الرومانطقية التي بدأت أتعرف عليها وأقرأها تضافرت مع التلفزيون ليبدأ وعيي الجديد في التشكل .. ؟!

لا أعلم .. لكنه الوعي الذي كان من المستحيل أن تمتلكه فتاة بائسة لولا أن القدر لم يضع في طريقها مروان الذي اصطفاها واحتواها وشذبها وهذبها فكان الحبيب والملهم والمعلم ..

لم أكن بحاجة إلى نظام التدريج أو (شوي شوي) كما قال مروان ..

أحببت القصص التي تدور حول الألم والحب والعدل والوفاء والتضحية .. كنت أتعذب مع الأبطال وأفرح لفرحهم .. وأعيش تفاصيل حياتهم أو يعيشون هم في تفاصيل حياتي .. وبدلا من أن أنتظر هدية جديدة منه .. قصة أو قصتين ..كنت أسأله أن يعطيني ..

أتذكر سؤالي الساذج الذي وجهته له في غمرة اندماجي مع الروايات وتقمصي للحيوات التي أقرأها:

مروان .. هم من وين يجبون هالقصص ؟ وشلون يكتبونها ؟

أجابني بكلام كثير ربما فهمت نصفه وجهلت نصفه .. الفن لايخرج إلا من رحم التجربة الإنسانية والعذاب الممض ..

حين ألتقي مجددا به مهما كان الأمد قد طال بين زيارة وزيارة يتعمد أن يسألني السؤال المخاتل ويده لاتتورع عن لمسي في كل مكان:

حبيتي القصة .. شو فهمتي منها ؟!

عرفت مع الوقت أنه لايريد مني أن أسرد له مجريات الأحداث .. الزواج والطلاق والغدر والموت .. بل يريد أن أعطيه قيمة أو مغزى أو معنى ما يقف خلف هذه الأحداث .. كنت أسأله مستغربة:

وشلون أنت ماقريت القصة ؟

لم أكن وقتها قادرة على الاستيعاب أن محمد عبدالحليم عبدالله مرحلة تجاوزها مروان منذ زمن طويل .. بل ربما ما مرّ بها من الأساس ..

أدركت بعد سنوات وأنا أسترجع تاريخي أن الشاب الشيوعي المثقف لم تكن لديه أدوات تسعفه ليبدأ في خلق وتشكيل وعي فتاة بسيطة سوى القصص .. كان يريد مني أن أغوص في عمق الحياة .. وأن أخرج من حدود دنياي الضيقة المهمشة .. كان يريد مني أن أفهم معنى الظلم والتهميش .. وأن أنحاز للمبادئ والقيم الانسانية النبيلة في العدالة والحب والخير .. فبدأ بدفعي نحو القراءة .. قراءة ماسأفهمه وأحبه .. القصص الأكثر سلاسة ورومانسية والأقرب لخيال وذوق البنات في عمري .. محمد عبدالحليم عبدالله ..


(42)

كانت نورة قد امتلأت قناعة أن زوجها لم يعد يقربها منذ أشهر طويلة لأنه (مربوط) بفعل سحر عقدته امرأة من معارفه كانت تريده لنفسها ..

وافقت على مضض في ذلك الصباح أن أصحبها لشيخ ذكر لها بعض الناس مقدرته على فك السحر مع أنه كان في واقع الحال مشعوذا دجالا ..

البيت الذي وصف لنا كان يقع في نهاية سكة ترابية مسدودة في غرب الديرة..

في تمام التاسعة صباحا كان يفتح لنا الباب فتى في حدود الثالثة عشرة .. دعانا للدخول فنزلنا درجتين ترابيتين ومشينا بينما هو يتقدمنا حتى دخلنا في حجرة على الجهة اليسرى في زاويتها موقد نار صغير خلفه دكّة ..

دخل الشيخ علينا بعد دقائق فإذا له هيئة غير مريحة .. لحيته الطويلة تغطي وجهه .. ويلبس ثوبا صوفيا أسودا والوقت ذروة الصيف، استوحشنا، أو استوحشت أنا على الأقل لكن لم يعد الهرب ممكنا ..

انشغل فور جلوسه بوضع قطع معدنيه مع بعض الحشائش وقصاصات الورق في صحن صغير وبدأ يقلبها فوق النار والدكة الصغيرة تفصل بيننا..

انطلقت نورة تحكي بعجل معاناة زوجها أو معاناتها معه خالطة الشكوى بظنونها وهواجسها.

قاطعها الرجل قائلا: تراها سمينت (ن) بيضا ..

شهقت نورة مستبشرة بقدرته الغيبية : إي بالله هي .. فكني من شرها وشر من به شر الله يجزاك خير ..

طلب منها بعد تأتأة خفيفة أن تخرج ثدييها وتقربهما من المعدن المنصهر الذي بدأ يشكل مع القصاصات والنباتات المحترقة سحابة خفيفة ذات رائحة كريهة..

أذهلتني المفاجأة وأذهلتني أكثر استجابة نورة الفورية وهي تفتح جيب ثوبها..

بدأ الخوف يسري في أوصالي وأنا أنظر في نار الشهوة المتقدة في عينيه المحمرتين بينما نورة قد كشفت عن صدرها وهي تردد متناسية أن المريض زوجها لا هي: يا الله أنت الشافي المعافي .. أنت الشافي لا إله إلا أنت ..

شعرت بأنني في حلم أو هاجس أو حمى. كنت أشبه بالمشلولة التي ترى وتعي مشمئزة لكنها بلا حراك .. بدأت أرى ساعده يهتز ويده تصعد وتنزل في حركة سريعة بينما الدكة تستر الباقي.. أقعدني الشلل تماما وأنا أنظر ولا يرمش لي جفن وأسمع دعاء نورة الأبله لنفسها ..

لحظات ثم علت أنفاسه وهو ينتفض ويغمض عينيه ..

أسرعنا للخارج وحين شممت غبار السكة، توجهت نحو جدار وتقيأت فطوري والحموضة تحرق حلقي ..

اخترت أن لا أكلمها بتاتا في الحادثة لا ونحن في طريقنا ولا فيما بعد ..

لكني كنت أعرف أن الشرخ بيني وبين هذا العالم يكبر كل يوم .. سأصبح في لحظة ما لا أنتمي له ..


(43)

كنت أتجاذب أطراف الحديث مع أبي في تلك الظهيرة حين انطلقت من الراديو الموسيقى المميزة لأخبار الثانية والنصف ظهرا ..

ثم تلى بدر كريّم الخبر الأول بصوت متحمس ومتمهل:

"انطلاقا من البيان الذي صدر عن الديوان الملكي بتاريخ 22 رمضان 1393 والتي قررت فيه حكومة صاحب الجلالة تخفيض انتاجها من البترول بنسبة 10 بالمئة فورا، ومتابعتها لتطور الموقف، ونظرا لازدياد الدعم العسكري الأمريكي لاسرائيل، فإن المملكة العربية السعودية قررت ايقاف تصدير البترول للولايات المتحدة الأمريكية لاتخاذها هذا الموقف .."

حاولت أن أحدث أبي في تداعيات القرار في حدود فهمي البسيط لكنه النامي منذ تعلمت الانصات للنقاشات الدائرة في الفيلا .. ومنذ تعهدت نفسي بسماع نشرات الأخبار وقراءة الجريدة بين حين وآخر ..

لكن لم يظهر لي أن أبي وعى شيئا مما قلته، أو ربما كان الأقرب أن الأمر لايعنيه .. فقد انتقل يحدثني في شأن آخر وكأن أخبار الملك يجر بعضها بعضا:

ثمنوا بيت ابن شيحة بـ ميتين ألف .. ويبي ياصلون لنا في محاري السنة ..

شعرت بالفخر وأنا أستمع بعد أسابيع للنقاش الدائر بين مروان ومصطفى الآغا بخصوص قرار الملك فيصل ..

تلبستني للمرة الأولى وأنا بين يدي مروان مشاعر بالأفضلية أو بالزهو .. كأنني أنا من أصدر القرار أو كأنه تلي على العالم باسمي .. أو كأني قد أصبحت الملك والبلاط وأهل السعودية أجمعين لا تلك الفتاة الصغيرة الفقيرة الغارقة حتى أذنيها صبابة ..

كنت فرحة جدا ومتخلية عن قيود خجلي وارتباكي المعتاد .. أتحدث وأضحك بعفوية .. فقلت بدون تردد:

أكيد إن الملك يبي يكنس اليهود كنس ..

نسي مروان نفسه وقهقه حتى أدركت بأني ربما قلت شيئا لايمت للواقع ولا للسياسة بصلة، لكنه انتبه لحرجي فتناول من على الطاولة الجانبية مجلة انجليزية يتوسط غلافها وجه الملك المعروق .. ثم قال وهو يشدني إليه ويقبلني وكانت هذه طريقته في الاعتذار الصامت الرقيق :

أنا حبيبة قلبي بطلت أحلم من سنة ال 68

ثم أكمل وهو يمرر شفتيه على يدي مشيرا لعنوان الغلاف:

بيقولوا إنه رجل العام ..

أسرع مصطفى وقد تذكر شيئا:
هو فعلا هيك ... بس دخلك قولي شو صار عل المشروع اللي حكينا فيه ..

منقول

ساراتوجا
10-26-2010, 04:15 AM
الاخت القديره شموع
هذه القصه قرأتها قبل فتره طويله
بها اسقاطات كلنا فى فتره طويله من الزمن كنا نتجاهلها
اظنك تعرفي ما اقصد
طبعا هذه التابوات بدأت فى الاضمحلال من بعد عام 2001

كذلك هناك قصه لكاتبه اسمها وضحي بنت سبنسر بها اسقاطات وكفاح
حسب ذائقتي اجدها اجمل من قصه شاديه عسكر
لك التقدير والاحترام لنقل لنا هذه القصه
حيث انني قرأتها ولم احتفظ بنسخه منها
دمتي ودامت اختياراتك العذبه