المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الربع الخالي (سلامة يصيد الغزلان في الصمان)


شموع من ذهب
12-21-2010, 06:37 AM
كتبها ويصورها: محمد اليوسفي
http://www.d3-g.com/up/uploads/images/-1dd1663448.jpg (http://www.d3-g.com/up/uploads/images/-1dd1663448.jpg)
أول ما كتبت الجزء الأول من هذا المقال، وهو عن رحلة في الربع الخالي، رسمت في ذهني ترتيبا موضوعيا لبقية الأجزاء بما فيها من أحداث وقصص وطرائف، لكنني اليوم أخالف الترتيب إرضاء لمن يبادرني بعد نشر كل جزء بسؤال عن طريقة الصيد التي يعتقد أنني مارستها ورفاق الرحلة وعن أنواع وأعداد الطرائد التي قضينا عليها هناك.

في الأماكن المفتوحة من الربع الخالي لم يتبق حاليا من الطرائد المحلية سوى الأرانب البرّيّة، لازالت ترتع في مواقع عدة، فكلما بعد المكان عن المنشآت والتجمعات السكانية وازدادت وعورته ووجدت فيه الشجيرات الدائمة مثل الأرطى والحاذ والشنان وبعض الأنواع النجيلية مثل نباتي النصي والثداء كلما رصدت آثار الأرانب نهارا وشاهدتها ليلا تتقافز بكثرة.

الصيد في الربع الخالي، إلى وقت غير بعيد، غير ممنوع بل متاح للجميع وإن كان محدودا لأنه كان حكرا على فئة معينة، فعامة الناس ليس بمقدورهم الصيد بسبب عدم امتلاك السيارات أو لعدم توافر أدوات الصيد فضلا عن أنه لم يكن يوجد إلا قلة من الصيادين لديهم الجرأة على اقتحام تلك الكثبان الغامضة وتجاوز وعورتها برفقة أدلاء يعينونهم على عدم التوهان ويساعدونهم على التنقل في مساحات شاسعة خالية من البشر وليس فيها طرق معبدة. لكن الحال الآن ليس كذلك. كثيرون جربوا الصيد في الربع الخالي وتناقلوا مع غيرهم تجاربهم وخبراتهم، ثم بمساعدة الطفرة في سيارات الدفع الرباعي وأجهزة تحديد المواقع والفضاء الإنترنتي المفتوح أصبحت الخبرات والمعلومات متاحة لمن هب ودب. وإذا أردت التأكد فدونك الباحث الإنترنتي قوقل سيدلك على رحلات مصورة لغرض الصيد في الربع الخالي بواسطة البنادق والصقور وكلاب الصيد أجلكم الله. وللأسف أسمع أن من بين هؤلاء الصيادين أشخاص من فئات يفترض أن تكون بمنأى عن استمراء استغلال حالة وجود أنظمة وقوانين على الورق فقط دون تطبيقها. أتوقع إذا بقى الحال على ما هو عليه فأن الأرانب البرية سوف تنحسر في الربع الخالي سريعا وتلحق بالمها والريم والعفري والإدمي وغيرها من الحيوانات المنقرضة. ولا عزاء لبيان الصيد الذي يؤكد سنويا قبيل موسم الصيد على: «يمنع الصيد بجميع أشكاله ووسائله في منطقة الربع الخالي».

في الجزء الغربي من الربع الخالي لاتزال هناك بقية من قطعان الغزلان والمها العربي (الوضيحي) التي لم يشاهدها على الطبيعة أبناء الأجيال المتأخرة. في هذا الجزء وتحديدا في عروق بني معارض، وهي من أشد الكثبان وعورة، سأتحدث عن رجل في العقد الثامن من العمر اسمه سلامة بن منيف آل دمنان، نشأ محبا للصيد منذ صباه. سألته، وأنا أعرف ما يثير كوامن ما يسميه الصيادون «ولع الصيد»، بماذا تشعر لحظة اكتشاف أثر الطريدة مرسوما على الرمال. أجاب: كلما شاهدت أثر الجوازي تذكرت قصيدة قالها واحد من رفاقي ونحن في مسرح الصيد وسط عروق الربع الخالي يوم كنا شبابا نقضي الأيام متنقلين على ظهور الجمال نطارد الغزلان حتى شمال الربع الخالي بل إلى الصمان حيث نصيدها وسط خباريه ورياضه، أتذكر الصديق يرحمه الله حين قال لحظة صيد:

بديت عرق وسميته مسلّي

جعل الوسام يتقدم له وياتيه

حيثه مرب الجوازي كل حلّي

يا زين شوف الوضيحي رتّع فيه

يا خوي طرد الجوازي ما يملّي

في تالي اليوم إلى انكب ذاريه

والآن كلما شاهدت وسط عروق بني معارض جميلة (الجميلة تعني القطيع من الغزلان) أتحسر على حادثة مطاردة ارتكبتها وأنا شاب قبل عشرات السنين مع رفاقي الصيادين حيث شاهدنا خمسة وعشرين غزالا طاردناها وقتلناها واحدة تلو الأخرى خلال يوم واحد فقط، ولم يفلت منها - عندما حل الظلام - إلا عدد محدود لم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وربما لحقت بعضها إصابات أدت الى نفوقها. وفي مقارنته بين الماضي والحاضر قال سلامة: «صياد الغزلان» بعبارة مغلفة بالحسرة «لقد فقدنا غاليا، ولم يبق في صحارينا ما يثير البهجة أو المتعة بعد انقراض الغزالان وانعدام وجودها بحالتها الفطرية».

استطرد سلامة في حديث لا ينقصه الوعي يعيد أسباب الفتك بالغزلان إلى دخول السيارات للمنطقة وانتشارها وامتلاك البنادق المتطورة مع طغيان شهوة التفاخر والمباهاة التي استحكمت على سلوك الصيادين من أبناء الطبقة المترفة. وسرحت أنا مع استطراد سلامة متخيلا مشهدا لواحدة من رياض الصمان ترتع فيها الغزلان. ربما لا نصدق أن بيننا كبار سن شاهدوا الغزلان والأحياء الجميلة في الصمان وغيره من براري المملكة ولم يصيدوا منها (غالبا) إلا ما يسد حاجتهم رغم معاناتهم من وطأة الفقر والمجاعات. الصورة في الواقع مغايرة. أتذكر خبرا نشرته هذه الصحيفة عن غزال مستورد خرج صدفة من مزرعة في محافظة المجمعة فطاردته عشرين سيارة حتى قتل!

بقيت الإشارة إلى أن سلامة بن منيف هذا الذي نتحدث معه في محمية عروق بني معارض صياد سابق كانت قد وظفته الهيئة السعودية للحياة الفطرية لديها في المحمية ضمن (الجوالين) وهم أشبه برجال أمن مهمتهم حراسة المحميات الطبيعية.

عامر العطيات
01-15-2011, 06:40 PM
شموع من ذهب
سلمت الانامل
على المعلومات
والجهد الرائع
مشكوره وبنتظار كل جديدك